فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 98

لا أريد أن اقول صائحًا:"وجدتها"، لكن يكفي أني وجدت نفسي ووجدت راحتي وابتعدت عن (القطيع) ، فلم تعد الصور الخادعة تفتنني، وسقطت قيمة العناوين عندي وكذا الشعارات، فلقد صرت أقرأ كل خبر بعيدًا عن الأسماء ومن غير عناوين وشعارات، أي أنني بحق أزعم أنني حققت الخطوة الأولى لتحقيق العبرة. في هذه الرحلة (الإنسان) في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ازددت إيمانًا أن القرآن حق، ولقد ازددت إيمانًا أن ما في صحيح البخاري _ وهو ما يعنيني هنا _ لن يقوله إلا إنسان كامل وليس هو على الغيب بضنين، ولقد عرفت حق المعرفة معنى كون الكتاب والسنة فيهما صلاح الإنسان وسعادته وهدايته، وحين بحثت عن صورة (الإنسان) المهتدي كما وجدتها في الكتاب والسنة في واقعي فإني أقسم أني وجدتها في (أهل التوحيد والجهاد) ، فلقد مررت على منازل كثيرة، وترددت على موائد فكرية عدة، وطفت على المنابر أفتش وأبحث وأراقب، فأنغمس غير هيّاب بما سألاقي، وغير متعصب لما أحمل، ولكن ها أنا أقول -وأنا ذاكر لقول ربي (ستكتب شهادتهم ويُسألون) - أن أهل التوحيد والجهاد هم الذين يعبرون بحوادث وفعال وأقوال الإنسان المهتدي في كتاب ربنا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا، وإنه من نعمة الله عليّ أني أعيش في زمن الصور الكثيرة الخادعة ومع ذلك فإن عيني لم يملأها إلا هؤلاء (الفتيان) في المشرق والمغرب، ومن حقي أن أقول: إن هذا الإمتلاء ليس حماسًا عاطفيًا مع شاب يجود بنفسه لله تعالى، لكن بوقوف حذر وتأمل جديّ، ومراجعة ودراسة لكل التهم التي تقال فيهم، ويُقذفون بها من جميع الأطراف سواء كان من مؤمن يخالفهم أو عدوّ يقاتلهم.

نعم -والله يشهد على ما أقول- أني حين تجردت من حجب الأسماء وتخليت عن هيبة الشعارات وحررت نفسي من سطوة العناوين رأيت في زماني من يفعل فعل إبراهيم عليه السلام وهو يكسر الأصنام، ورأيت من يفعل فعل البراء بن مالك وهو ينغمس في حديقة مسيلمة الكذاب المرتد، ورأيت من يبيع ملكه طمعًا في رضا الرحمن، ورأيت المهاجر في ذات الله والمأسور في سبيل كلمة الحق، وكلهم في هذا الزمن لا يجمعهم إلا اسم جامع لأوصافهم: أهل التوحيد والجهاد.

من أجل هؤلاء الفتيان أردت أن أجمل هذه الكلمات لعلي أعبُر بها إليهم فيرحمني الله -إذ القوم لا يشقى بهم جليسهم- وذلك لأنهم يرحلون هم بالفعال، ولكنهم يقبلون -لسعة رحمة الله وسعة قلوبهم- أن يسير معهم من لا يحمل إلا الحب والكلمات من أمثالي.

فاللهم لا تعذب قلبًا أحب كتابك وأحب كلام رسولك وأحب الفارين إليك المهاجرين في سبيلك - آمين.

فكانت هذه الباقة العطرة، الممتعة الجميلة، هذه الدرر النبوية الشريفة، جمعتها كلها من سمط اللآلئ الموسوم من قِبَل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري:"الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"عشت معها أجمل الأوقات، وكانت لها بركات المشاعر التي تغزو القلب فتثير الدمع في العين والقشعريرة في الجلد، وقد عرضت لي كما عرض الكثير غيرها لكن كان لا بد من الاختيار -وما أصعب الاختيار بين الأماثل- فكانت على قيد السلف في بعض تصانيفهم أربعون حديثًا لأمر معروف ومشهور، وإن شئت قلت: أربعون جوهرة، ثم جئت إليها وبطيش رجل مغرور حاولت أن أفك من كل -جامعة- كلمة واحدة لأقول للناس انظروا، فلم يزد هذا (الإنسان) إلا أنه ادعى، ولكن يكفيه أن يعترف أنه حاول أن يفك كلمة من (جوامع الكلم) ، وأن يصف ذرة من كل جوهرة، وأن يشير إلى وجه واحد من هذه الدرة التي لا ينتهي تقلب وجوهها العظيمة، ثم إن في القلب عذر: هذا جهد المقل، والقلة مع الحب ثقيلة، ومع العذر رجاء أن أحشر مع أهل الحديث علمًا ومع أهل التوحيد والجهاد فعالًا، وإني لا أملك مع هذا الطمع إلا أني أحب:

(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)

وكتبه

أبو قتادة

(سجن بلمارش البريطاني مساء يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر الله المحرم لسنة 1426 لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الموافق 7/ آذار، مارس/2005) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت