عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسُهُ، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) .
العبادة هي الخضوع والطاعة، فيقال: عَبَّدتُ الطريق، أي سهلتها للمسير عليها، وذلك بإزالة الموانع حتى تستجيب للسالك فكل من انقاد لشيء على جهة الحب والخوف استقلالا فهو عابد له، وضابطه هو ما ورد في هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط) ذلك لأن نيته ونهمته دون سواه، فهو عامل له، ساعٍ من أجله، فسعي المؤمن في صلاته وعبادته هو تحصيل رضى الله تعالى، فإن حصلها فهي غايته لا يطلب سواها، وإن فاتته الطاعة وهي سبب رضى الله تعالى حزن، ومن سعى لدرهم أو غيره في صلاته وعبادته كالجهاد ونشر العلم وغيرها فحصل مطلوبه رضيت نفسه وفرحت لما نالت من مطلوبها، وإن فاتها المطلوب حزنت وسخطت، فهذا هو الدليل على معبود الإنسان في عمله، وهو ضابط الرياء والإخلاص، وهو كما ترى تحقيق معنى العبادة لغويًا، لأن العبادة كما تعلم هي الخضوع والطاعة، وهذا الضابط المذكور هو المعنى الحقيقي للخضوع القلبي والطاعة الباطنة، فإن من خضع لشيء أحبه حتى صار مطلوبه ونهمته، يرى كل شيء فيه، يسير وجهته ويطلب رضاه ويتبع أثره.
في هذا الحديث كذلك ضابط حقيقة الجهاد في الله تعالى دون سواه وهو قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله) ... إلخ الحديث المذكور، فإن حال المخلص لربه هو عدم الإنتصاب لغيره لا في زيه ولافي عمله ولافي حاله: أما الزي فهو في قوله: (أشعث رأسه، مغبرة قدماه) وذلك لالتهائه عن ذلك بما هو فيه من الإنغماس في الجهاد، فهو مستغرق فيه بكليته، لا يتطاول بشارة ليبصره الناس، وبِعَلَمٍ يعلم الناس مكانه وأفعاله، وقوله صلى الله عليه وسلم (أشعث رأسه، مغبرة قدماه) لا يعني أنه يتكلف ذلك ليكون كذلك، بل هو في حال لا تكون نتيجته إلا كذلك، ومن نافلة القول التنبيه أنّ تكلف ذلك ليس عبادة مطلوبة لله تعالى، بل تكلف ضدهما في حال لا يكون مشغولًا بطاعة الجهاد هو المطلوب الشرعي من التجمل والإغتسال عن الأدران وغيرها لأحاديث عدة ولقوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ومقصود هذا الوصف (أشعث ... مغبرة ... ) إنما هو الانشغال التام بما هو فيه وذلك لإخلاصه، فلو كان غير ذلك لما أهمه في إحسان عمله بل رغبته بتحسين صورته. وأما العمل فهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) فهذا رجل لا يفاضل بين الأعمال بحسب قيمتها بين الناس إنما بحسب ما يطلب منه لأنه الأليق به فيما يرى له أميره، أو فيما يرى من نفسه، ومثل هذه الأعمال سمتها الخفاء وجفاء الناس عنها لمشقتها وعدم تنافس الناس فيها لعدم صيتها وقلة مرتبتها في الدنيا، وإن كان لا قِوامَ للجهاد إلا بهما، ولكن الناس يرون أن هذه الأعمال من مراتب الخدمة التي تهين صاحبها في دنياهم فيرغبون عنها في جهادهم، وشتان بين العمل حين يكون لدنيا وأجرة وحين يكون في سبيل الله، فهذا إبراهيم عليه السلام خليل الله، وابنه إسماعيل الصادق المرضي يكلفهما الله تعالى بخدمة بيته فيقول: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) ، وقال عن إبراهيم خاصة كما في سورة الحج: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين) .