فهذا الحديث عظيم في هذا الباب لمن ابتغى حفظ دينه وطلب الفضل والرفعة وتحصيل التقوى: فإما الحق كما أمر الله تعالى، والجهاد للباطل أعلاه وأرفعه وإما الاعتزال والهجرة، وهذا أسلم للمرء لدينه في الدنيا والآخره، وأما الزاعمون أنهم قادرون على السباحة في الوحل وعندهم من التقوى ما يحمي قلوبهم، ثم لم يكتفوا بالسباحة بل تضلعوا منه شبعًا وريًا فالله بصير بالقلوب وخطراتها، وهو أعلم بمن اتقى.
كل هذا يقع حين تكون الموازنة بين خير وشر يشتبه أمرهما لدقة مقاربتهما في الفكر والنظر، ولكن واقعنا يشهد أن القوم -مفتين وأتباع- تجرؤوا على الحرمات الصريحة بنصوصها، فالربا والخمر وقول الباطل ولبس الإثم كل هذا صار يحل بشبه واهية تحت باب التيسير ووجود الاختلاف فيها، والمقدم من المفتين من يبيح أكثر من غيره ويوسع للناس شهواتهم وأهواءهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبهذا يعلم أن أعظم ما في هذا الحديث من فقه: أن الباطل إما أن يجاهد، وإما أن يعتزل، والحق أن الباطل لا يرضى بعزلتك، لأن إمامه هو الشيطان، وقد وطن نفسه أن يهلك ابن آدم بالمعاصي بتزيينها كما قال: (فبما أغويتني لأقعدنَ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) بل سيشد على أذقانهم حبالًا ثقالًا ليجرهم إلى الباطل كما قال: (أرأيتك هذا الذي كّرمت علي لئن أخّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا) والباطل إن لم تشغله بالجهاد شغلك"بصوته ورَجِلِه وخيله"، ولذلك من أعظم طرق اتقاء الباطل هو مجاهدته.
وفي يومنا هذا يعد اعتزال الناس حتى لا تؤذيهم ويؤذونك ضربًا من العجائب، لأن جند الشيطان ألزموا الناس بكل قانون، ولاحقوهم حتى إنهم يدخلون معهم في أزواجهم وأموالهم (و شاركهم في الأموال والأولاد) فالجهاد هو السبيل الأقوم لتحقيق سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
وأما أجر الجهاد فهو في أبواب أخرى مذكورة في أبوابها، وأما ترك الشر والإساءة للناس فهي من أعظم الأعمال لمن عجز الصالحات العملية و (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره) و (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ولعظمة حرمة المؤمن عند الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك في آخر ما أوصى به أمته، في يوم الحج الأكبر، في حجة الوداع حين قال: (إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) ، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ترك إيذاء المسلمين لمن عجز عن الصالحات فإن ذلك صدقة.
ثم تأمل نور هذا الحديث في بيان المقابلة بين ما هو أعظم الأعمال إيجابًا وبين أعظم الأعمال سلبًا، وبين إيذاء الله اعداءَ الله بالجهاد وترك إيذاءِ المسلمين بالعزلة نعلم أن هذا الكلام لا يخرج إلا من فم نبي مهدي مسدّد (و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم) .
وقد ورد لهذا الحديث ألفاظ منها قوله صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانة، أو رجلٌ في غنيمة في رأس شَغفَة من الشّغف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير) .