فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 98

والعزيمة مراتب يشرح مراتبها الرد على الذين لا يرون إلا خيار العمل بمعصية الله وكأنه لازم للمسلم، إذ نرى ونسمع الذين يسلكون سبل الباطل من الأعمال الكثيرة بحجة أنّ على أهل الإسلام أن يملؤوا هذه السبل وإلا تركت للعصاة أو غير المسلمين من المشركين والمرتدين، فدومًا حين يسألون عن دينهم الذي دانوا به حتى جلسوا هذه المجالس واقترفوا هذه الأعمال أجابوا بأن أهل الإسلام إن لم يعملوها عملها أهل الباطل، وهذا من باب تقليل الشر ما أمكن، والحديث هنا ليس على ما يجره سلوكهم من الباطل عليهم في دينهم كما نرى من واقعهم وعلى ما يجره على دين الله تعالى في أذهان الناس وعقولهم ولكن التنبيه هنا إلى أن هؤلاء القوم جهلوا أن الواجب اعتزال الباطل، فلسنا وكلاء على الناس كما قال الله لنبيه - (وما أنت عليهم بوكيل) - فالمطلوب هو تطبيق حكم الله تعالى أولًا وهو هجران الباطل - (والذيم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) - وقد أحسن من قال: إن فعل هؤلاء أشبه بمن يقول وقد رأى امرأة تريد الزنا ولا بدّ، فقال: أن أزني بها أنا وأسترها من الفضيحة (من باب تقليل الشر) خير أن يزني بها فاجر ويفضحها.

إن المؤمن الذي يتقي ربه ويريد سلامة دينه إن لم يقدر على الحق كما أمر الله تعالى به فإنه يهرب من الباطل ولا يأتيه، وهذه هي سيرة السلف التي عملوها وحضّوا الناس عليها، وقد سمى سفيان الثوري إتيان الباطل تحت ذرائع وهمية بخديعة إبليس، وقد صدق رحمه الله تعالى.

ولهؤلاء حجج كثيرة أغلبها تقوّل عن أهل العلم تتعلق بالموازنة بين الحق والباطل، وأن تقليل الشر مطلب شرعي كما تحصيل المنفعة، ومما لا ريب فيه أن هذه القواعد -الموازنات- قواعد صحيحة في وضعها العلمي لكن على ذلك تنبيهات فيها:

1.أنه لغلبة الهوى هذه الأيام وقلة التقوى كما هو مشاهد فإن أي منفعة ولو كانت من باب الشهوة والتحسينات فإنها تضخم وتسبغ عليها كلمات الباطل وكأنها من ضرورات العامة والمسلمين من أجل تبريرها وإتيانها، وواقع الحال وقواعد العمل يشهدان أنها شهوة خاصة ولا زيادة.

2.ومما يزيد الأمر خطورة أن الكثير من هذه المصالح الدنيوية تصادم حق الله تعالى وخاصة ما تعلق بتوحيد الله في شرعه وأمره، وأهل العلم مجمعون على أن حق الله تعالى مصلحة أعظم من كل المصالح، فضرورة الدين مقدمة على كل الضرورات الأخرى كالنفس والمال والعرض والعقل، ولكنك ترى هؤلاء يجيزون أعمالًا شركية وكفرية مقابل تحصيل مصالح دنيوية لا تصل لدرجة الضرورة، وهذا من باب الجهل والضلالة.

3.أن دقة"فقه الموازنات"في أحيان كثيرة لا يهتدي إليه الفقيه الراسخ لدقته أو لتعقيد الواقع وعدم تبسيطه كما هو في واقعه العلمي، ومع ذلك فإن هؤلاء يفتون للعامة وللجهلة ويوسعون الباطل شبرًا فيأخذه الجاهل ذراعًا، ويجعل كلام هذا المفتي جسرًا له على جهنم، فمثل هذه المسائل لا يطلق فيها القول لتغير الظروف حين يتعلق الأمر مع أمور دقيقة في تقديرها وموازنتها.

4.ومما يشهد لانحراف هذه الفتاوى التي تطلق للعموم من باب"الموازنات"إنما هي في أصل وضعها من قبل العلماء السابقين كانت لمن تعينت في حقه من العلماء والمقدمين وأهل الفنون والعقل والنظر، ولم توضع لعموم الناس فيأخذها"الرويبضة"ويزعمون أنها لهم وهم أحق بها فيفسدون أكثر مما يصلحون، بل لو تركوها لأهل الباطل لكانت منهم منفعة أكثر، فإن الواقع يشهد أن كثيرًا من المنافع للمسلمين تحصل على يد أهل الباطل بأكثر مما يحصله الزاعمون إتيانها تدينًا، فإن هؤلاء تصبح عندهم"موازنة جديدة"وهو البقاء في العمل مصلحة على أي مصلحة أخرى، فخوف ذهاب المنصب أو العمل يحكم ما يأتون ويذرون، فلا الباطل تركوا ولا مصالح المسلمين حصلوا، فعاد الأمر باطل لا خير فيه.

والمحترزات والتنبيهات على فقه"الموازنات"كثيرة، وكل يوم نشهد باطلًا ينتشر وحقًا يكتم ويُستر، يمارسه المفتون به دون فقه دقيق، ولا ورع يحميهم، وآخذون به والفون بلا إهتمام لإيمانهم وتقواهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت