فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 98

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما أنا نائم رأيتني في الجنّة، فإذا امرأة تتوضّأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا؟ قال: هذا لِعُمَر، فذكرت غيرته فولّيت مدبرًا) فبكى عمر وهو في المجلس ثمّ قال:"أو عليك يا رسول الله أغار؟"

مراعاة خواطر الأحبة خيل الوداد، ومعرفة نوازعهم حبل القياد، وبناء أمة الإسلام وجماعات الحق قائم على الاختيار (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فلا سلامة لهذا البناء إلا بود عميق بين القادة والجموع، فلا ينظر القائد إلى حقه عليهم فقط بل ينظر إلى واجبهم عليه، فليحظ بدمعة العين وخفقة القلب وقشعريرة البدن منهم، فلا يزعج خواطرهم ولا يثقل عليهم بوطأة القيادة، حتى لو كان من أحب الناس إليهم، فإن النفوس تنفر من التهجم الكثيف الثقيل حتى لو كان مطرًا من عسل، بل حاله معهم كنسمة الريح وعلى وجنة الطفلة البهية.

لا قيادة صائبة دون خبرة عميقة بالرجال، ومعرفة مستوياتهم وقدراتهم، ومراعاة هذه القدرات، فأبوا ذر خير من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء في صدق اللهجة منه لكنه ضعيف على الإمارة في زمن الصحابة رضي الله عنه، ويعلم منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قبول الحق وإن كان على خلاف ما يحب فيواجهه بذلك، ويعلم ضعف غيره عن الإمارة فيعرض عنه ويقول: (إنّا لا نولّي هذا من سأله ولا من حرص عليه) .

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حبيب القلوب، يفديه صحبه بأرواحهم، وهو أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ومع ذلك يراعي خواطر أصحابه حتى ما يؤذيهم بشيء، بل يتودد لصغيرهم سائلًا إياه عن طائره اللاعب به (يا أبا عمير، ما فعل النغير) رقة تذوب لها الجبال، ويتودد لكبيرهم حتى يعرفوا ذلك منه أنه رقيق رفيق ليس بجبار يقول المسور بن مخرمة: قال لي أبي: يا بني إنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه أقبية فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، فذهبنا، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم في منزله، فقال لي: يا بني ادع لي النبي صلى الله عليه وسلم فأعظمت ذلك، فقلت: أدعو لك رسول الله؟ فقال: يا بني، إنه ليس بجبار، فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب، فقال: (يا خرمة، هذا خبّأته لك) ، فأعطاه إياه، قال المسور: فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (رضي مخرمة) .

وكذا على المحبين أن يراعوا خواطر الكبار وحاجاتهم فلا يرهقونهم، فإن للناس حاجات مع أنفسهم وأهليهم، وقد عاتب الله أقوامًا أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطالة الجلوس في بيته دون مراعاة حاجته لأهله وتفرغه لهم فقال سبحانه: (يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا، ولا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النّبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) ، وهكذا تستقيم المعادلة بين القيادة والجموع، مبادلة حب بحب ووداد بوداد.

هذه الرحلة رحلة طاعة لله، رحلة تسجل فيها مقادير الذر (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره) رحلة فيها الكلمة ترفع صاحبها إلى أعلى الجنان أو تحطه إلى قرار الجحيم، رحلة فيها حركة يد على رأس يتيم بعطف تكفر السيئات، وبسمة في وجه الصديق تكتب في الميزان، وجرعة ماء في فم كلب تدخل الجنة، ورفع حجر عن طريق المسلمين حسنة، وأمنية في القلب أن يصيب مسلم خيرًا تحط سيئات، إنها رحلة لا تترك الشر حتى يعظم ولا تحتقر الخير مهما صغر، بل هي رحلة فيها رقة تشف حتى لا يخفى منها شيء، ولا يستبعد منها شيء.

ونفوس الخلق دقيقة الميزان تبهجها كلمة مارة، أو خفقة حانية، أو وجه بشوش يلاقيه، وتزعجها كلمة جافة أو إعراض وجه مهموم أو إلتفاتة خد بعيدًا عند اللقاء، فهكذا الإنسان لا يباع قلبه ولا يتأثر بالجبال ولا بالقيود ولا بالأسوار، لكنه يأنف القياد ويوطئ النجاح للكلمة الحسنة والبسمة المشرقة والهدية مهما كان شأنها، فلا تحقرن شيئًا من هذا، ولا تكن غلظًا فتَكْسِر وتُكْسَر بل كنسمة الهواء لا يحجبها شيء ولا يكرهها أحد إلا المريض.

وصفة نافعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت