فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 98

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشّديد بالصُّرعة إنّما الشّديد الذي يملك نفسه عند الغضب) .

كل فعل لا يقع بإرادة يقظة محكوم بفساده، إذ ضبط القوة في مواطن الطيش حكمة العقلاء، فالصلاح لا يقع لجماعات الحق إلا باجتماع القوة والحكمة، فإذا انفرد أحدهما عن الآخر لم يقع، فقوة في يد سفيه مهلكة ومفسدة، وحكمة في رأس ضعيف كرأس بلا بدن، وفي رحلة الشهادة على الخلق لا يوجد إلا العلم، ولا خصومة إلا في الله كما دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم في قيام: (اللهم بك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وفيك خاصمت وإليك حاكمت) وهذه الكلمات هي جماع فعل المؤمن لا يشذ عنها عمل ولا حركة ولا قول ولا سكنة، والإنفعالات النفسية الطارئة السريعة لا يسلم من باطلها إلا القليل من الحق، لأنها فالتة عن زمام الحكمة والتدبر والدراسة، فإذا اجتمع معها نسيان المر للتاريخ وغفلة عن الحاضر وتجهل بالعواقب ازداد شرها، فإن كانت مع القدرة فحينئذ هو الفساد بعينه، ومن هنا فردّاتالأفعال ليست بشيء إن اتسمت بسمة السرعة والفجأة، بل لابد من التأني لحصول الوعي والقراءة الصحيحة.

(ليس الشديد بالصرعة) ، فهذا إنسان قدر على الفعل لكن هل أمن الردع والعاقبة، فليس العبرة بأن تقدر على الفعل، لكن من العبرة أن يكون عندك القدرة على تلقي نتائج الفعل وهو الذي يسمى بالردع، فهذا هو العقل والحكمة، ففي حالة الغضب يكون الإندفاع الذي يؤمن حصول الضرر للخصم، اندفاع مع البغتة، لكن بعد ذلك وبعد أن تؤوب القُوَى إلى ميزانها الصحيح دون مرجح آخر فكيف سيكون الحال، أو حين يجمع الخصم جرا__و عتاده، ويؤمن لنفسه أسباب هلكتك فماذا سيبقى لك حينئذ سوى الهزيمة؟

الغضب تركز النفس حول نقطة عابرة، وحدث سريع، فتشتعل مع ذهول عن ماض يجب أن يعتبر، وقد تقدم أن الاعتبار شرط الإيمان وهو بحث كذلك، فإن المرأة تكفر عشيرها، إذ يحسن لها الدهر كله، ثم إن أردت شيئًا من زوجها قالت: ما رأيت منك خيرًا قط، وهذا من قلة الإيمان والعقل، وكذلك الغضب.

ثم ليعلم أنه ليس كل اندفاع نحو الخصم صواب وحق، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول لمسلمة بن الأكوع رضي الله عنه (ملكت فاسجح) إذ في ذلك عبرة أن حركة الهجوم هي حركة واعية حتى في النصر وهزيمة الخصم، إذ العقل والحكمة لا يتيهان في ظرف من الظروف، ولا يغيبان، لا بفعل غضب ولا هزيمة ولانصر، إذ لكلك واحد من هذه الحالات سكرته وجهالته.

(الشديد الذي يملك نفسه) فيحكم قيادتها، يدفعها حين يكون الإندفاع حكيمًا، ويلجمها حين يكون الانكفاء حكيمًا، فهي بيده، يقيدها بقيد الحكمة والعقل، فلا تنفلت منه كانفلات الكلب العقور وأوابر الدواب.

في رحلة الجهاد وأنت تملك بعض"الشدة"تُستفَزّ لفعل لا قوام له سوى الغضب، ولا يحقق سوى المنفعة للخصم كما يستز الثور الأحمق في لعبة الموت، فيحرك الخصم له بعض القماش وقد وضع أسياف الموت في جنبه، ففي هياجه الغبي وحركته هلكتُه وموته، والداعي والمجاهد بصير بما عليه من قوة، وبصير بما عليه الخصم من قوة، ولذلك هو يحكم قيادة أفعاله لا لتتفجر كالقنبلة لا تحقق وراءها سوى الخراب، بل هو يبني وحين يهدم يكون في سبيل البناء، وكل فعل لا يقدم الإسلام إلى الأمام فتركه واجب، وإني أخاف أشد الخوف من تلك العقلية التي تعجز عن البناء فتهرب إلى الموت، وهذه عقلية صبيانية يحكمها الغضب الجاهلي وسعار الانتقام تحت دعوى محبة الجنة والرغبة في الدار الآخرة، وهذه إن كانت محتملة من الصغار فإنها جريمة كبرى من القادة والأئمة ورعاة المسيرة لأن هؤلاء لا تحكمهم اللحظة الزمانية الراهنة بل يحكمهم منطق التاريخ بعمقه الطويل، والمستقبل الذي قوام التعامل معه مقولة علي رضي الله عنه:"واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت