ثم إن فضل الأعمال لا تعرف من قبل الأطفال، فهؤلاء صغار تبهرهم البهارج والألوان، وتفزعهم الأصوات العالية، يظنون أن الماء إنما هو من هذا المقبض الحديدي الذي يديرونه فينزل ماءً، ولا يرون أنابيب المياه الخفيه التي هي ناقلة له، ولا يرون منابع المياه وراء الجبال، فهذه نظرة الأطفال وتلك أحكامهم الجاهلة، ومثل هؤلاء إن صارت الأحكام إليهم وأكثروا الصراخ وقادوا المسيرة فعلى الركب السلام، إذ لا تصلح المسيرة إلا بقيادة هادية رشيدة ولو تأملنا ما كان يقوله رسول الله لأصحابه وحثه أن يلزموا أماكنهم وصنعتهم لرأينا عجبًا، فقد كان يثير الفضائل المكبوتة، ولا يفتخر الناس بشيء علموه وانتشر أمره إلا وأشار إلى غيره من الفضائل مما تخطئه العين ولا تنتبه له، ذلك لأنه البصير بما هي عليه الحياة، وكفى بقوله: (دياركم تكتب آثاركم) و (اعمل من وراء البحر) .
أما أنها تهمة حق وأن الركب كله مجاهد، فعجيب لأولئك القوم الذين ملؤوا نفوس الشباب بحب الجهاد والشهادة، وصاغوا أمرها بأحلى كلام وألقوا فيها الخطب والدروس ثم لما كان الجهاد وناره وفتنته انقلبوا ذامين شاتمين متبرئين، ألستم أنتم ممن بغّض في نفوس الشباب الكفر وأهله؟! ألستم أنتم ممن عددتم قبائح الكفار وظلمهم؟! ألستم أنتم الذين قلتم إن أهل الإسلام هم قدر الله في عذاب المشركين؟! ثم ألستم أنتم من علّم الناس الولاء والبراء؟! أبعد هذا كله ماذا كنتم تنتظرون من هؤلاء الشباب سوى الإنغماس في غمرات الموت ونكاية الأعداء؟!
نعم:"يداك أوكتا وفوك نفخ"فإن نكثت، فتلك سنة الله في البعض: يقل الصالحون حتى لا يبقى إلا كما يبقى في الإناء بعد الشرب، وإن صبرتم فتلك سنة الله في آخرين: (الذين قال لهم النّاس إن النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل والله ذو الفضل العظيم) ، فاختر أي السبيلين يا مسكين.