عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي ابن آدم النّذرُ بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النّذرُ إلى القَدَر قد قّدر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه مالم يكن يؤتيني عليه من قبل) .
لا إثبات إلا بشرع صحيح أو قدر محسوس مضطرد، وخلاف ذلك أوهام وتخرص، وباب التديُّن البدعي فتح أبواب الأوهام على مدار التاريخ، وقضية ارتباط الغيب مع عالم الشهادة إن لم يضبط بضابط متين تحول إلى مرض يفسد العقول والحياة، والتوازن بين ما هو شرعي وما هو قدري تضبطه السنة النبوية وجريان السنن واضطرادها، فطغيان أحدهما على الآخر مزلة أوقعت الفرق العلمية والمتعبدة في ضلالات وانحرافات، فقوم أتقنوا الكونيات وراعوا سننها وضلوا في الشرعيات والإلهيات والغيبيات فحرموا التوفيق الإلهي، فساروا سعداء حينًا ثم وقع بهم المكر الإلهي، وقوم عظموا الإلهيات والشرعيات وضلوا في القدر والتكوين ولم يقيموا لسننها شأنًا فحلت بهم عوامل التخلف والهزيمة والخرافة، وهذه الطائفة الثانية هي التي غلبت في تاريخنا زمانًا فصرنا إلى ما صرنا إليه، ونحن نحسب أننا على شيء، إذ صار الحديث عن الطبائع الخَلقية والسنن الكونية باب مصادمة للدين وتعظيم الإله، والشيء إن فسد انقلب على نفسه بالهلكة، فبالتالي انقلب هذا التدين الجاهل حجة عند الزنادقة، إذ اعتبروا أن مصدر ما نحن فيه هو الدين وقيم الحق الإلهية، وعيّروا أهل الإسلام أن غيرهم يعيشون في سعادة وبحبوحة، وذلك لجريان سنة التزيين لما أشرب القلب (و كذلك زّينّا لكلّ أمّة عملهم) ، فالذين يعيشون على هامش الحياة ودائرة الهزيمة والخذلان يفتخرون أنهم يعلمون حقائق الكون وأسراره، ويسبحون في الأنوار الحقيقية لا الزائفة، والآخرون استغنوا عن غير هذه الدنيا، ورأوا الآخرة وهمًا لا واقع له.
(المكر الإلهي) قضية يجب أن نعيها، وأن نكون على حذر منها، لأن عمادها الجهل والغفلة، ففي حديث الباب مثلًا يرى رجلًا اشترط على الله -نذر- إن فعل الله به أمرًا أن يتصدق أو يقوم بعمل صالح، فوقع القدر على ما طلب، لا بسبب شرطه، ولكن لجريان القدر على أمر آخر لم ينتبه له، فذهب المسكين في وهمه أن شرطه -نذره- هو سبب الوقوع، فذهب يعمل صالحًا، فاستخرجت منه الصدقة على بخل منه.
(المكر الإلهي) في هذا الباب يقع على ثلاثة مستويات:
1.ترك العمل السنني الملائم.
2.جريان السنن على الوجه المتوقع المحبوب.
3.تحليل الحديث على وجه الهوى / الرغبة، فتحصل الفتنة.
فهذه كما نرى أساسها ترك العمل ووقوع الجهل، فهي لها تعلق بالعلم والإرادة.
ومن رحمة الله فيمن يرحمه الله أن يقع المقدور على وجه يعيد ترتيب العلم على الوجه المطلوب، ويصلح العمل ليوافق الحق، كما وقع مع الصحابة رضي الله عنهم في أحد، إذ هزموا هزيمة جعلتهم يتساءلون: (أنّى هذا؟) فكان الجواب الإلهي: (من عند أنفسكم) .
حين ترى النعيم الدنيوي في يد عدو الله فلك أن تقول:"طيباتهم عجلت لهم"لكن أن تراهم هازمين لنا، مستعلين على ذلتنا فمن الإفتراء على حكمة الله أن تقول هذه الكلمة، بل الكلمة الصحيحة: (من عند أنفسكم) لنحذر تدينًا وخوفًا من الله تعالى أن نتكلم في حكمة الغيب على الأمور الحادثة، فالأعمال لا تثبت صحتها بالتوافق مع اللحظة الراهنة، فحين تنفق السلعة بالحلف لا يدل هذا على جواز الحلف في البيوع أو استحبابه، بل الحلف في البيع وإن كان للسلعة إلا أنه محق للبركة.
في موقعة أحد مثال حي على ما نحن فيه من أن جرّ (التحليل والتفسير) على وجه الهوى ضلال وفساد، فقد وقع في أحد أن أشار بعض الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يخرج من المدينة لقتال قريش، وكان هذا رأي المنافقين كذلك، وبعد أن نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي الكثير من أصحابه وخرج إلى أحد مع رغبته عن هذا الرأي صلى الله عليه وسلم، فكان أن انتصر المنافقون لرأيهم (و هو رأي صواب ولكن اختير غيره وهو أقل صوابًا منه) ورجعوا من وسط الطريق وتخلوا عن إخوانهم في المحنة، ثم وقع ما وقع من القتل في الخارجين، فكان ماذا؟
وصف القرآن (تحليل وتفسير) المنافقين بقوله: