فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 98

1. (يا أيّها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير، ولئن قتلتم في سبيل الله أو متّم لمغفرة من الله ورحمة خير ممّا يجمعون، ولئن متّم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) .

2. (و ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالًا لاتّبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) .

هذا تحليل باطل وإن توافق مع الحدث، وبطلانه مبني على الهوى والشهوة والخوف من الموت، والهزيمة في أحد لم تقع لأن رأي الخروج كان باطلًا بل لأن في الخروج حدثت معصيتان:

أولاهما: مخالفة أمر القائد في ترك الرماة مواقعهم حبًا للدنيا من جمع الغنائم، وهذا سجله القرآن بقوله: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) .

ثانيها: ما حصل من التولي والهروب عن ميدان المعركة، وهذا سجله القرآن بقوله: (إنّ الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم والله غفور حليم) .

وهاتان معصيتان قد غفرهما الله كما في الآيات العظيمة السابقة.

وسجل القرآن حال قوم صار في قلوبهم بعض رذاذ شبهة (تحليل) المنافقين فقال: (و طائفة قد أهمّتهم أنفسهم يظنّون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهليّة، يقولون هل لنا في الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) .

والمتأمل في الآيات التي نزلت بعد موقعة أحد يجد أن القرآن هوّن موضوع القتل وفسره على نحو يذهب ما في النفوس من ألم، ولكن شدّد على موضوع المعصية، وكأنه يقول: أنتم تبكون القتلى، وتصرخون من ألم الجراحات وذهاب الإخوان، ولكن هذا ليس بشيء، فكل هذا كان سيحدث سواء خرجتم إليهم أم لم تخرجوا لكن اذهبوا بعيونكم إلى هناك، إلى ما وقع من أعمال منكم (قل هو من عند أنفسكم) .

إن (التحليل السياسي) قد ملأ في أيامنا هذه السهل والواد، وهو سهل على الأقلام والعقول الجاهلة، لكنه لا يحمل أي السمات العلمية المعروفة في قواعد العلوم، فهو مضطرب، يستطيع كل صاحب فكرة أو عقيدة أن يجره إلى مصلحته، ولكن كل ذلك لا قيمة له، إنما الأهمية النظر إلى تحقق الحكم الشرعي أم لا؟ من الكبائر المعاصرة والبدع الحادثة هو تعليق الحكم الشرعي على هذا (التحليل) المتوهم، وذهبت جهالات قوم بهم أن جعلوا هراءهم هذا (علة) للأحكام الشرعية افتراءً على الله وعلى الفقه الشرعي وأصوله، ولذلك كثر الخلاف وعم الجهل، وصار هؤلاء (المحللون) في عقول البعض هم الفقهاء الذين يحق لهم القول في مصير الأمة وقضاياهم، وهم قادة الفقه الجاهل المعاصر، وهؤلاء لو حضروا إبراهيم عليه السلام وقد كسر الأصنام لكتبوا فيه تقريعًا ولومًا، ولو حضروا أهل الأخدود لقالوا لهم من الرخص ما يحل لهم الكفر والخروج من الملة، ويضحكوا بملء أشداقهم استهزاءً بقول الرضيع لأمه:"يا أماه إنك على الحق"، ولقالوا: لم يعد إلا أن تطيع الحركة أقوال الأطفال، ولو حضروا الخندق لكانوا مع القائلين: (غرّ هؤلاء دينهم) .

في هذا الباب نرى فقه الشرع عند الخلاف حول آراء تتضارب: أنفعل أم لا نفعل؟ فبعد أن تطمئن قلوب الإخوان لعمل ما فمن النفاق التخلي عنهم، ومن النفاق تقريعهم إن حصل خلاف ما أشاروا به، والواجب النظر: هذا الذي اخترناه من الأقوال هل قمنا به على الوجه صحيح أم لا؟ فالبحث يكون عن اتقان العمل لا غير، وأما البكاء على المصيبة واستغلالها لتعظيم الذات وتقريع الإخوان، و (تحليلها) وتفسيرها على الوجه يبطل الحكم الشرعي من الجهاد وغيره فهو سمة المنافقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت