عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ حقًا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدّنيا إلاّ وضعه) .
إن الكمالات في الخلق مؤذنة بالنّهايات، فحين تأخذ الأرض زخرفها ويبلغ في الناس الوهم أنهم أسيادها المتحكمون فيها تكون نهايتها (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا) وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كمل له النصر وتم له الفتح فقال الله له: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجًا فسّبح بحمد ربك واستغفره إنّه كان توّابًا) فكان في ذلك نعيه صلى الله عليه وسلم، وهكذا ليس بعد القمم إلا الأفول، وهذه السنة خير ورحمة لأهل الدين، فإن كان بهم البلاء واشتد عليهم فلا يكون بعده إلا الفرج، فإن الكريم يعقوب عليه السلام لما اشتد به الشوق إلى حبيبه يوسف وبكاه طويلًا شاكيًا بثه وحزنه إلى الله تعالى، فلما بلغ الأمر كماله فابيضت عينه الطاهرة من البكاء الحزين كان بعد ذلك الفرج، وقال: (إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون) ذلك أنه (لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون) ، وهؤلاء الثلاثة الذين خلّف الله توبتهم فلما ضاقت عليهم الدنيا وضاقت عليهم أنفسهم جاءتهم التوبة، وإن كان بهم نعيم مع الإيمان فإن الإيمان يمنعهم من العلو الذي يتم عنه القصم، كما دخل الحبيب المصطفى مكة على ناقته مطأطئ الرأس، إذ المناجل تصيب العوالي، كما السيل حرب للمكان العالي، فلا علو مع الإيمان، لأن البذاذة من الإيمان، وأما لأعداء الله فتلك سنة قاصمة، خاصة حين تجتمع هذه السنة مع أمرين هما من سنة الله تعالى مع أعدائه، سنة المكر وسنة البغتة، فلحوادث الزمان مكر في إلهاء الغافلين عن العواقب، إذ لا تفكر عندهم ولا اعتبار، والعجب أن كل الكفار على مدار التاريخ زعموا أنهم خارج هذه السنة، وأن لهم خصوصية الإستثناء من العواقب، لكن هيهات، وهاهم اليوم قالوا:"بنهاية التاريخ"بتحريض الغرور وإغواء الإستعلاء، ومكر الله بهم محيط، وبالبغتة حتى يتم الألم، فإن الإنتقال من حال إلى حال بلا تدرج مؤلم على النفس إن كان من نعيم كامل إلى جحيم وعذاب، فاللهم رحمتك.
إن هذه السنة هي مقتضى صفة ربنا -المتكبر-، فإن الله تعالى يأبى أن ينازع فيها، وهي قرينة العزة، فالرب يذيق العباد البلاء من التجوع والخوف ليعلموا أنه العزيز المتكبر.
وللمؤمن مع هذه السنة التي لو علمها الخلق على حقيقتها -لضحكوا قليلًا ولبكوا كثيرًا- حال وعمل، ذلك بأن المؤمن العامل لدين الله تعالى لا يغره بهرج الكفار ولا علوهم ولا استطالتهم ولا غلبتهم، وحين يتساقط الضعفاء كالفراش في نار فتنتهم ودنياهم، ويسيروا في ركابهم ظانين أن الأمر قد انتهى، وأن الأمة زالت ولم يعد فيها قوة المجابهة والإعتراض يقوم الواثق بربه والعالم بسنته في التداول إلى الصدام والمدافعة لعلمه أن علوهم إلى زوال، وأن لكل شيء إذا ما تمّ نقصان، سنة تجري في الأمم والأشخاص والجماعات، فإن اجتمع مع هذه السنة قوله تعالى: (و إن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتبا مسطورا) ازدادت بصيرته أن مكر الله تعالى يعمل عمله.
ومما يرعاه المؤمن مع هذه السنة أن لا يأمن العثار مهما بلغ علمه وحكمته وقوته إذ العثار متحقق ولا شك فلا رهان على شخص لا يكبو وعلم لا يخطئ وحكمة لا تطيش لأن كل ذلك كائن ولا شك.
وإن من حال المؤمن مع هذه السنة أن لا يحسد الكافرين على غناهم وعلوهم، فإن هذا فعل الجهلة الأغبياء كما كان حال البعض مع قارون، (فخرج على قومه في زينته، قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا، يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم) والعجب أن هؤلاء لم يطلبوا معصيته ولكن طلبوا أن يكون لهم (مثل ما أوتي) لكن قاعدة أمنية الباطل إذ قالوا: (إنّه لذوا حظّ عظيم) فرد عليهم أهل البصيرة: (و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن إمن وعمل صالحًا ولا يلقّاها إلاّ الصّابرون) ووقع المكر (فخسفنا به وبداره الارض) ، وها هو عمر بن الخطاب يبكي حين تأتيه كنوز الأرض لما يعلم ما وراء ذلك من الحوادث.