وأجر الحراسة عظيم كما في الحديث: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ، وخدمة العابدين كانت قريش تتنافسها وراثة من أبيهم إبراهيم عليه السلام، فالسقاية أحد الألوية التي كانوا يتنافسونها مع الرفادة وهي إطعام الحجيج. وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل مع الساقة للحجيج ولكن تركه مخافة أن ينازع الناس أهله وظنهم أن هذا جائز لهم -أي منازعة أهله- وقال للسقاة: (أكملوا فإنكم على عمل صالح) ثم قال: (لولا تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه) وأشار على عاتقه صلى الله عليه وسلم، مع أن السقاية كانت لعمه العباس رضي الله عنه، فالمقصود أن المخلص لربه في جهاده لا يتشوق إلا إلى رضاه، فهو غافل عن حظ نفسه، ولو أرادها لما اختار إلا الأعمال التي فيها الحظوظ لها، وأمره ليس كذلك. وأما في حاله فهو قوله: (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) ذلك لأنه خفي عن الناس بما هو فيه من إعمار الباطن، فالناس لا يعرفونه لعدم اشتهار اسمه أو نسبه أو أفعاله، والحق أن أهل الإيمان والتقوى لا يخفى عليهم حال هؤلاء، بل يعرفونهم وقد يطلبونهم كما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما قال: (لو كان سالم مولى حذيفة حيًا لوليته) وعمر كان خبيرًا بالرجال ومع ذلك قال: (رحم الله أبا بكر كان أعلم مني بالرجال) والبعض كان يتركهم لما هم فيه من الرغبة في الاختفاء، والمقصود أن هذا الإخلاص لا يغيره ما يقوله الناس عنه، ولو كان مقصوده غير الله لسخط كما يسخط غيره، كما قال تعالى: (ومنهم من يلمزك بالصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) ، وحين ترى اليوم بعضهم وهو يعدد فعاله وتاريخه ليدلل على أن له شأنًا لم يقم به الناس له، ولم يقابلوه بمثله، فيجعل ذلك سببًا للسخط والغضب وترك العمل الصالح، فيقول أحدهم: (لقد تكلمت كلمة الحق وعذبت في سبيلها ولم أجد أحدًا ينتصر لي أو لم يأبه لي أحد، فهؤلاء قوم لا يستحقون أن يقدم لهم شيء) ولو تفكر هذا القائل بهذه المقالة الخبيثة لعلم أن عمله قد حبط بسببها، ولو راجع تاريخ العاملين لدين الله تعالى لعلم أن هذه سيرة مضطردة، فأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قدّموا كل شيء، المال والروح والولد، ولم يجدوا ما يقابل ذلك شيئًا من الدنيا، بل أخبرهم رسولنا صلى الله عليه وسلم أنهم سيجدون بعده أثرة فأمرهم بالصبر وقد فعلوا فرضي الله عنهم وأرضاهم، وقد رأوا المال العظيم يقسم أمام أعين لمن قاتلوهم وذلك في حنين، فوجدوا في أنفسهم بعض شكوى فلما هبت ريح الإيمان بموعظة رسول الله: (أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم) حتى بكت عيونهم فرحًا بما رجعوا به، وقالوا: (رضينا) . بل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلب من أمته شيئًا لنفسه في هذه الدنيا سوى مودة أهل بيته فقال سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى) ومع ذلك قتل الناس أحب أهل بيته إليه الحسين بن علي رضي الله عنهما، وما رعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة، وهؤلاء كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص يتنازع الناس الخلافة وهو مشغول عنهم ببناء حوض ماءٍ لإبله، والذين يتنازعونها ما أسلموا إلا بيده وأيدي أمثاله، وهذه الخلافة قد آلت إلى من قوتلوا على الإسلام، ومن قاتلهم عليه حاضر يرى كما قال ابن عمر فصبروا وتذكروا ما أعد الله من النعيم في الجنة فسكنت نفوسهم، فهذه سيرة مضطردة تكشف مخبوء النفوس ونيتها في عملها وجهادها.
وهكذا المقابلة بين الحالين: حال من سخط لذهاب بغيته ورضاه إن حصلها، وحال من عمل من أجل الآخرة فهي نهمته ورغبته لا يعيضه شيئ عنها، لا يهمه إن فات ما فات ولم تفت هي، وطوبى: من الطيب لغةً، قلبت الياء واوًا، وفي الحديث هي شجرة في الجنة.