الغاية المثلى هي خضوع الأمة للمفاهيم، بحيث تكون السلطة لها، فتكون هذه المفاهيم أعرافًا في حس الناس ومشاعرهم وفي القانون الغالب، يخضع له الناس ويتداولونه كما يتداولون لغتهم، وكما يتداولون مفاهيمهم الفطرية كالعلاقة بين الأب وأبنائه والأم وأبنائها، وكلما رقت المفاهيم الشرعية وخضع الناس لها ببواطنهم كلما اقتربت المفاهيم من كونها فطرة وسجية، ولما كان الإسلام هو الحق وهو الفطرة فإن الأليق به في صورة المثال هو تحققه خلال قانون الفطرة والعرف الباطني، فيستسلم له الناس بلا توزيع ولا تقسيم ولا تقنين لكل فئة دون بقية الأمة، ومن أمثلة ذلك"المؤسسة العلمية"، فهذه في صورتها الصحيحة الأولى كانت موجودة، لها سلطانها، وقوانينها، وضوابطها، وحدودها، وكل ذلك مثبوت في حسّ الأمة ومشاعرها ووجدانها، وهذا الوجود الكامن في داخل الأمة له قوة آسرة، ووضوح بيّن أقوى من أي سلطة مقننة ومُعْلَنٍ عنها ككيان، ولم يكن هذا الوجود يحتاج إلى فرضهِ بقانون يعزله ويفصله عن بقية نشاطات الأمة، فالمسجد بنايته، مفتوحة أبوابه للجميع، وحلقات العلم جزء من نسيج هذا الجميع، فلا طبقية ولا عزل أو استئثار، ولو قارنت هذه"المؤسسة العلمية"في تاريخنا مع أي مؤسسة أخرى في تاريخ الأمم الأخرى كالنشاطات النقابية لوجدت أن الفارق كبير، حيث تتحول"المؤسسة النقابية"إلى عصابة وحزب له رجاله الذين يجعلون"الشخص"أو"العائلة"هو الأصل و"التنظيم"وسيلة للذات لا الفكرة، ولذلك عمدت"الدولة"في تاريخ الأمم دائمًا إلى ابتلاع هذه المؤسسات وجعلها قوة لتوحشها ضد فكرة المؤسسة نفسها، فأنشأت ما يسمى بمنصب المفتي العام، أو"هيئة العلماء"وجعلتها مربوطة بنظام"الدولة"وجزءًا منها، وبالتالي تحولت المؤسسة إلى ناب لوحش الدولة تبطش به ضد خصومها، فالمسجد للدولة كما هي حال أي دائرة حكومية، وبالتالي صار العلم نشاط"مؤسسة حكومية"لا حركة أمة ومن ذلك"مؤسسة الجهاد"فالجهاد أمر رباني للمسلمين جميعًا بلا استثناء، حتى العجزة لهم وجود في هذا النشاط الإنساني الإسلامي العظيم، فهو حركة أمة، وليس نشاط دائرة معيّنة به دون غيرها، وكلما كان هذا المفهوم معممًا كلما كانت فاعليته أقوى، وكلما اقترب من تحجيم المؤسسة والتقنين كلما فُقدَت هذه الفاعلية، وذلك لخروج طوائف من المسؤولية، فتعميم المسؤولية هو تحقيق للفاعلية، وتحديد"المؤسسة"هو قصم لهذه المسؤولية وبالتالي إبطال لقوة الفاعلية، فَفَرْق أن يكون الجهاد هو حركة أمة كما كان في صورته الأولى، وبين أن يصبح نشاط"مؤسسة حكومية"فيها أراضها.
وهذا لا يلغي مفهوم التنظيم والإدارة، فنظام الدواوين ليس هو"المؤسسة"التي تعزل البعض عن الكل وبالتالي يسهل ابتلاعه من قِبَلِ"الدولة"على حساب"الأمة"، بل هو تنظيم لفعل أمة، وليس صناعة"لمؤسسة"محددة.
النشاطات يجب أن تكون تكاليف أمة، وذلك من خلال المفاهيم المسيطرة في المجتمع، وانتقالها إلى تكاليف"مؤسسة"يجعلها محتاجة لتقنين وبالتالي يقع العزل وتدمير الفاعلية، وسهولة قنصها واختطافها لخدمة"الشخص"أو"الدولة"لا الفكرة التي انتصبت من أجلها.
في القرآن الكريم والسنة النبوية تكاليف موجهة للأمة، وإذا وجدت أوامر للبعض فهو لاختصاص هذا البعض بالقدرة اللازمة لهذا التكليف، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكلف به كل من رآه (من رأى منكم ... ) والحكم بما أنزل الله تكليف لأمة (و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) ، وهكذا جميع النشاطات بلا استثناء، وتكليف الحاكم بإقامة الحدود وإعلان الجهاد هو من قبيل الوكالة عن الأمة، فهو وكيل بعقد بينه وبين الأمة لإقامة أحكام العامة، وسلطانه يستمد من هذا العقد، وقوة هذا السلطان مصدره رضا الأمة، فليست السلطة توكيل إلهي ولا الغلبة والقهر، وإن كان أمر الأمة يعرف بقوة الشوكة والتي تظهر عن طريق الغلبة أحيانًا. والعقد طرفاه الأمة من جهة والحاكم من جهة أخرى، والمعقود عليه هو احكام العامة، ويبطل العقد بأمور تصيب العاقدين ككفر الحاكم أو جنونه أو بتخلف مقاصد العقد وهي المعقود عليه كتعطيل الحدود وإبطال الجهاد، وحين يبطلها الحاكم يعود أمرها إلى الأمة ولا تسقط عنها، فالجهاد لا يبطله حاكم، وإن عطله وجب على الأمة أن تقوم به وكذلك الحدود وغيرها.