فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 98

وهذا الوصف الذي قدمناه يفيد أن دائرة الدولة ضيقة جدًا، وهكذا يجب أن تكون، أما ربط التكاليف بالدولة والحاكم وتوسيع ذلك فهو انحراف وبدعة، ومن العجيب أن يوجد بعض الفقهاء من وقع من فتاوى تؤيد هذه البدعة وتنصرها، وذلك مثل ربط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإذن الحاكم أو إقامة الجمعة، بل وصل بعض هذه الأقوال الغريبة إلى دعاء القنوت في النوازل لأمر الحاكم وإذنه، وهذا لعمر الحق إنحراف في تصور حقيقة الأمر الشرعي، وأثره السيّء على الأمة أقوى من أثر البدع الفردية والسلوكية الشخصية. وكما رفع الله بعضًا فوق بعض درجات، كذلك جعل الناس أقسامًا من ذكر وأنثى، وأب وأم، وسيد وعبد، وخادم وآمر، وبائع ومشتري، وهكذا تقع نشاطات الحياة باعتبار أمرها القدري الذي فطر الله الخلق عليه، وهذا الأمر الفطري يجب اتباعه والإقرار به، وهو كذلك في حس الناس ووجدانهم إلا ما يقع من إبليس وجنده من (فليغيرن خلق الله) ، وبالتالي يؤمر الإبن أن لا يقرّ أباه على طاعة، ولا الزوجة لزوجها، ولا الصغير لكبير وذلك تحت شعارات بهيمية معروفة.

هذا التوزيع الفطري مع الحكم الشرعي هو الذي يحقق الفاعلية الحقيقية للأمم ويديمها، وكلما حصل فساد في أحدهما تعوقت الأمم وسارع فيها الفساد وبالتالي حقت كلمة الله بالعذاب والإهلاك والدمار، وهذا التوزيع هو مصدر من مصادر المسؤولية والتكليف، خلقه الله وأقره شرعه، وهو عقد فطري، والفطرة هي أقوى أدلة الشرائع والأحكام بلا خلاف بين عقلاء البشر.

هذا الحديث يحمّل المسؤولية لكل من كلف رعاية حق، فالرعاية تعطى في بعض جوانبها مفهوم التقدم على الغير، فتُنشِئ وَهمَ الطاعة دون السؤال والمراجعة، ومع التقادم وضياع البعد الأخلاقي يحصل الاستعلاء وهي أسُّ الفساد والخراب كما هو في كتاب الله تعالى، فحين تحصل الإمارة مع فقدان مفهوم المساءلة والمراجعة لا يبقى من الإمارة إلا مفهوم الطاعة، أي طاعة المأمور وخضوعه للأمير، والمفاهيم الباطلة تنتج الإنحراف السلوكي، وأعظم ما يصيب البشر هو الطغيان الذي أساسه الكبر، وفي الحديث: (سبحانك يا ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة) وهذه هي التي نازعَه سبحانَه الخلقُ فيها، وهي أساس كل فساد في الدنيا والآخرة.

المفهوم الشرعي للملك هو رعايته، أي قيام بأداء الواجبات والحقوق، ومساءلة في الدنيا والآخرة، كما هي في حس الناس طاعة وامتثال، مع أن القاعدة الفقهية المقررة: الواجبات قبل الحقوق.

وفي الحديث إطلاق لمفهوم المسؤولية وبالتالي لا يجوز قصرها على الإثم الآخروي، بل هي كذلك في الدنيا، وهذا الذي طبقه الجيل الأول وأتمروا به كما قال الصديق: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) وهذه الكلمات ليست مواعظ إرشادية بل هي دستور وعقد ملزم للطرفين، وحين جاع الموالي عام الرمادة وسرقوا من مال سيدهم لم يقتص منهم عمر رضي الله عنه لأنهم أخذوا ما هو حق لهم من مال سيدهم الذي منعهم إياه، وحين استفتت هند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تأخذ من مال زوجها الذي منعها لشحٍّ منه أجاز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف) وهذا الحديث أصل في مسألة"استيفاء الحقوق بغير إذن صاحبها إن جحدها أو منعها"، فما قررت الفطرة والشرع من حقوق فالمساءلة حق لا يجوز لأحد أن يعطلها.

فمن الواجبات الملقاة على أمتنا ولا سعادة إلا بها، وهي باب فاعلية الأمة بين الأمم، كما هي أساس نقاء الأمة وبراءتها من الفساد الداخلي:"إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك الحسبة والجهاد في سبيل الله"وهذه هي خصائص هذه الأمة التي تجعل لها حق قيادة الغير، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة تراجع في فطانها، وهذه يجب عل الأمة القيام بها، توكل غيرها من الأمراء وغيرهم لمباشرتهها، فإن قصّرت فيها أو عطلها الوكلاء أثمت الأمة جميعًا، ولا يسقط الإثم عن الواحد إلا بالأداء بحسب الوسع والاستطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت