فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 98

بالحب وحده تحصل المتابعة بين التابع والمتبوع فمن غير حبٍّ قلبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحصل التأسّي والانقياد.

وبالحب وحده تحصل العبودية لله رب العالمين، فحينها تُنصب الأقدام وتنفق الأموال وتزهق الأرواح وتبذل النفائس رجاء أن ترى وجه المحبوب يوم القيامة.

وبالحب وحده يُطاع الأمر في الباطن عن رضا وقبول كما يطاع في الظاهر، ولا حياة للمجتمعات والجماعات إلا بهذه الطاعة الباطنة الراضية.

إن المعاني الجميلة ليس أمرًا زائدًا عن الحياة، وليست مكملًا لضرورات وحاجيات الحياة، بل هي أسّ الحياة وضرورتها الأولى وغيرها مكمل لها وهامش على جوانبها، ومن لم يفهم هذا فهو أضل من دواب الأرض وأنعامها، لأن الأنعام تفهم هذه المعاني وتراعيها على حساب أشيائها بل وعلى حساب حياتها، فالأسد يموت من أجل زوجته والدب يموت من أجل أولاده، وقد ذكر الله في كتابه أن من عذاب الله تعالى على الناس أن تضيع هذه المعاني بين الناس والدواب والجبال والبحار فقال سبحانه: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي النّاس ليذيقهم بعض الّذي عملوا لعلهم يرجعون) .

تبقى مسألة وهي مهمات تحصيل الحب، والحق أن الشرع كله من كتاب وسنة ما وضع إلا لهذا المقصد، وكلما حصّل المرء طاعة بينه وبين ربه اقترب بمقدارها إلى حب الله بل أكثر منها لأن كرم الله يقتضي ذلك فقد قال تعالى: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) ، ولكما حصل المرء طاعة بينه وبين ربه يزداد قربًا من أحباء الله وعبيده وخلقه، وكذا تحصيل الطاعات مع الخلق من حسنِ خُلقٍ وإنفاق ورحمة بهم وعفو عن إساءتهم وتغابي عما يفعلون كل ذلك وغيره من خيرات الحب، وتفصيل ذلك يطول، ولكن المقصد أن الحب هو ميزان الدنيا وعنوانها، وهو ميزان الآخرة ودرجاتها، فأحبوا الصالحين والمجاهدين والعلماء والعاملين تحشروا معهم يوم القيامة برحمة الله وفضله، وأميتوا شرورَ القلوب وإساءات الآخرين بالحب، وقد صدق من قال:"اقتلوا أعداءكم بالحب"، فوالله إن الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شكى إليه أحد أصحابه فعل قَرابته له، أنه يصلهم وهم يقطعونه، فقال: (إن كنت كما تقول فإنّما تسفّ في أعينهم المل) أي الرماد الحامي، فإن الخصم يفرح إن رأى أنه أصاب منك، فلما يراك لا تغضب لصنيعه بل تزداد له قربًا وصلة فإما أن يصلح أمره كما قال تعالى: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم) كما صارت صفية بنت حيي بن أخطب حبيبة لقاتل زوجها وأبيها وعمها وإما أن يعذّب بإحسانك له.

وعلى كل فهذا باب تُؤلف فيه المجلدات شهد الله لكن ما أردت إلا الإشارة لأهمية هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس في عقله قل هذا العمل القلبي العظيم، وكفى بفضله أنه يثقل الضعيف حتى يلحق بالكبار والعاملين، فإن المر مع من أحب، وإنه من عدل الله ورحمته أن يجمع الأحبة ولا يفرق بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت