وفي سورة الأعراف ذكر الله نوعين من البينات لإقامة الحجة: أولاهما: البينة القدرية الكونية كما قال عن قوم ثمود: (و إلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربّكم، هذه ناقة الله لكم آية) وكذلك ما قاله موسى عليه السلام عندما طلبوا منه آية فقال فرعون: (إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين) ، والثانية: هي البينة الشرعية كما ذكر عن شعيب عليه السلام: (وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) .
وأما المعجزة الكبرى التي جاء بها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم: (وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ) وليس الحديث معناه أنه لم يكن له معجزات كونية تدل على صدقه كانشقاق القمر وخروج الماء من بين أصابعه الشريفة وتكثير الطعام وتسليم الحجر عليه وغيرها مما هو مذكور في سيرته بأسانيد صحيحة وإنما المقصود أن الآية الكبرى هي القرآن، ولم تكن تلك الآيات الكونية مما تعلق بها الدمار والهلاك كآيات الأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والتسليم، وهذا الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم هو ميراثه لنا، لا نحتج إلا به في جهادنا ودعوتنا وإثبات الحقائق الشرعية، فالحق لا يثبت إلا بالشرع وهو الكتاب وما دل عليه الكتاب كالسنة الشريفة كقوله تعالى: (و ما أتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ، وإنْ أكرم الله العاملين بكرامة كونية فهي زيادة رحمة لحصول الاطمئنان كما طلب إبراهيم عليه السلام في قوله: (ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال: أولم تؤمن، قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) وقد قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (نحن أحقّ بالشّك من إبراهيم) أي في طلب الطمأنينة، وهي أمر زائد عن الإيمان واليقين، والمؤمنون في طلبها ليسوا متجاوزين حد الشرع والعبودية، وأما ما يبطله البعض من الآيات الكونية لإثبات صدق ما يقوم به المجاهدون والدعاة فهو طلب تعنّت لا التفات إليه، ومن ذلك أن ينصر الله طائفة علم وجهاد، وأن لا يحصل لهم الهزيمة أبدًا أو الهلكة الكلية لهم، فليس هناك اليوم طائفة يقال فيها: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض) لأن الإسلام وأهله في كل مكان، وطوائف العلم والجهاد متوزعون في الأمصار، إن هلكت طائفة لسنة الله في الحياة لعدم القدرة أو كفاية هذه القدرة فهناك طوائف أخرى تبقى بفضل الله، وما يحصل من الشك والريب في قلوب البعض إن هلكت عصابة حق، فيقال لو كانت على الحق لنصرها الله تعالى هو من قبيل الجهل بسنة الله تعالى في التعامل مع الحق، فأهل الأخدود أبيدوا جميعًا، والله جعل النصر هو الثبات على الإيمان فقال: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ، وليس هناك من وعد إلهي أن كل من ثبت على الحق أن ينصره على خصمه بنصر مادي على ما يفهم الناس، فهذا عليّ رضي الله عنه كان على الحق ضد معاوية رضي الله عنه في قتاله ولم ينتصف منهم لعوامل سننية لا تتبدل ولا تتحول، وكم قُتل من عالم أمام طاغية كسعيد بن جبير أمام الحجاج وأهل الدرعية أمام إبراهيم بن محمد علي باشا الألباني، والأمثلة تملأ مجلدات في هذا الباب، والمقصود أننا حين نقول: إن الله معنا لأننا على الحق، فالله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويختار لأسباب كونية وشرعية لا تتبدل، والله لا يُكرهه أحد ولا يوجب عليه موجب، وما نحن إلا عبيده نؤمن بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ونتوكل عليه، ثم نرضى بما يقع علينا من أقدار الله تعالى ونصبر عليها، وها هو ربنا يحذر رسولنا صلى الله عليه وسلم من هذه الشُّبَه الشيطانية التي يلقيها أتباعه فيقول: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير والله على كل شيئ وكيل) .