هذا هو ركب الأحياء فلا تعد عيناك عنهم، فبعد أن قصّ الله على حبيبه ذكر الفتية الغرباء الذين هاجروا فرارًا بدينهم، والعالم بأمواجه مشغول عنهم، مشغول بصفقاته وهرج أهله وتقلب الأموال والقوافل فيه، كل هذا التاريخ العريض مضى، مضى ولم يذكر بشيء، لكنه وقف متأملًا عند هؤلاء"الفتية"، خلّد الله ذكرهم في كتابه العظيم، وقص الحكاية على العالم لأن هؤلاء هم علامات التاريخ فقط، ليس الملوك ولا الأثرياء ولا القواد، بل هؤلاء"الفتية"الضعفاء، يأوون إلى غار (سبعة وثامنهم كلبهم) ، بلا طبل ولا مزمار، ولا مواكب، ويسدل الزمن عليهم رداءه بلا ذكر كاذب مبهرج، بعد ذكر هؤلاء"الأعيان"يقول الله لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطا) ، فمع مثل هؤلاء كن.
هذا هو تاريخ"الفتيان"، تاريخ خاص لا تسجل فيه أعداد القصور، ولا أطنان الأموال، ولا عدد الجنود، لا تسجل فيه زينة الدنيا، فإن أردت هذه فاصرف وجهك عن هؤلاء، وكن هناك حيث الغافلين عن ذكر الله، هناك ستجد كل ما تريد من زينة الحياة الدنيا، ستجد وزارة عند فرعون، وستجد مالًا عند قارون، وستجد كل ما تشتهي نفسك، وستلغ في ذلك كالكلب، لكن مالك إلى لا شيء في الدنيا والعذاب في الآخرة.
مع"الفتيان"، مع الذاكرين لله تعالى يكتب تاريخ آخر، تاريخ بدري وأحدي وخندقي، تاريخ يؤقت على إيقاع الدماء والشهداء، وتصبغ أيامه بفتية يهاجرون، وفتية يُأسرون، وفتية يَقتلون ويُقتلون، ويوم نُسَرّ ويوم نُساء، وحبيب يخطف على بئر معونة، ويومًا نجوع فنسأل الله ويوم نشبع فنحمد الله.
هذا هو تاريخ الأحياء، وهكذا تدخل مع"الصالحين"، وأما هناك فهو تاريخ"الأموات"إن كان للأموات والجيف تاريخ.