أما المشرك الذي قصد بعمله وجه الله كمشرك صلى لله وحده وحج لله وحده وتصدق لله وحده فهذا له حق على الله أن يخفف عنه من العذاب بمقدار عمله، عملًا بهذا الحديث، وعملًا بعموم الآيات والأحاديث التي تبين أن الله لا يضيع عمل عامل، وهذا مقتضى عدل الله تعالى وحكمته ورحمته، وأما تحصيل الحسنات والتي هي سبب الجنة فهو غير مستحق لها لأنها فضل إلهي لا يستحقها إلا الموحدون لما بينته الآيات والأحاديث الكثيرة.
وأما إن قصد غير وجه الله فله ما طلب لقوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) ولقوله: (و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب) وقوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وصحيح مسلم قوله: (وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزي بها) وهو كذلك الموافق للعدل الإلهي المطلق، فإن العدل لا يخرم أبدًا، إذ به تقوم السماء والأرض. وأما قوله تعالى: (و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه) فهو لفعل الكافر عمومًا حسنه وسيئه، صالحه وفاسده، وإن حُمِل على العمل الصالح تخصيصًا فلا تعارض لأن عمل الكافر لا ينجيه من النار بالكليّة وإن كان يخفف عنه من عذابها به، وبالتالي ليس فيه كفاية، وحاله كحال الصديِّ العطشان في الصحراء وجد بعض قطرات الماء فلم تغنه في دفع البلاء عنه.
ومفهوم الحديث أن العبد يستحق العذاب بالشرك لتركه حق الله تعالى وإتيانه بضده، وهذا مفهوم نطقت به نصوص شرعية كثيرة، فإنه لا مقصد لخلق الإنسان إلا هذا، وغيره تبع له، فإن تعمير الأرض وسعيَ الإنسانِ فيها وقيامَه بشأن نفسه والآخرين إنما تكون أهميته حين يأتي به المرء على وجه التعبد لله لأنه الموافق لمقصد خلقه ووجوده، أما إن جاء بهذه الأعمال على وجه التمتع ورغد العيش والرفاهية فإن له ما تولى ولا أجر له، ولذا لا يستحق المدح الديني ولا نسبةَ الصلاح له، وبهذا يظهر ضلالُ الكثيرين اليوم ممن يريدون إيجاب المدح الإلهي لقوم يكفرون به ويسبونه وينسبون له الشريك والولد، أو يأبون الخضوع لأمره وشرعه، وما دعاهم لهذا إلا سوءُ طوِيَّتهم وفراغُها من عظمة الله وهيبته ولو كان لله تعالى تعزيز في قلوبهم لما جرؤُوا على هذه المقالات الشنيعة، وإذا كان العبد لا يستحق الثناء ولا رفعة الدرجات ولا تحصيل الحسنات بعمله الصالح مع توحيده إذ ليس له من حق على الله إلا أن لا يعذبه فكيف يوجب هؤلاء المتهوكون على الله أن يعطي هؤلاء المشركين فضله وكرامته وهم يسبونه ويشركون به؟! اللهم إنّا نعوذ بك من العمي والضلالة.
حين وقع هذا الحديث موقعه من قلوب العالمين والمخبتين له فإنهم نسبوا كل ما يقع لهم من فضل في الدنيا إلى الله تعالى فهم أهل الحمد لربهم، كما سيكونون كذلك في جنة النعيم، إذ حمد الله تعالى في الأولى والآخرة، وحمده حين يرون صدق وعدِه ووعيدِه لأنهم لا يرون لهم حق واجب على مولاهم المنعم الرحيم، وكلما زادت النعم كلما غمط العابدون أنفسهم وامتلأت قلوبُهم حمدًا لربهم حتى يصير بهم الأمر إلى الحشر يوم القيامة تحت لواء الحمد الذي يختص به أعظم الخلق على الله تعالى وهو الذي سمّاه الله أحمدَ ومحمدًا.