فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 98

مع هذه السنة الجارية لا يمكن أن يصبر ويصمد إلا أهل اليقين على الآخرة، أولئك الذين عملوا لوجه الله، ولم يدخلوا في هذا الدين إلا من أجل الجنة والحصول على نعيمها، وأما من كان في قلبه دَخَن أو في نيته فساد فسيسخط وسيصرخ من قلة الوفاء حيث لم يضعه الناس موضعه، وسيتهم العاملين بانحراف الطريق وتغيير المسير، وما درى أنها السنن، ها هو أبو أيوب الأنصاري يرفض زمانًا أن يقاتل تحت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وقد رأى ما يكره، وينكر ما لا يعرف، ثم يتذكر أنه جهاد في سبيل الله، فيعاود نفسه ويخرج تحت إمرة يزيد في فتح القسطنطينية ويصيب مبتغاه في الشهادة، فالجندي في هذا الدين لا يضره من يتصدر، لأنه جهاد في سبيل الله تعالى وعمل من أجل الجنة لا غير.

في هذا الحديث وصية من رسول الله تعالى بالرعيل الأول، وبالسابقين في الخير حيث يكثر الزحام، وصية بهم للأمراء ولكل من بيده زهرة دنيا أصابها من هذا الدين أن لا ينسى هؤلاء، بل يقيم لهم ما يميزهم عن غيرهم، فهؤلاء ليسوا ككل الناس، فهم أتوا عند القلة والضعف، فإيمانهم له السّبق وله الفضل لذا يستحقون ما يميزون به، ولذلك جعل الله السابقين - (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) - وهؤلاء بخلاف غيرهم من أهل الخير من أهل اليمين فقد قال فيهم: (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) [1] فالسابقون دائمًا في قلة في آخر الأمر، والآية وإن كانت تتحدث عن الصحابة ومن بعدهم في بعض أقوال أهل التفسير، فالسابقون كثير في الصحابة وقليل فيمن بعدهم وهو اختيار ابن كثير رحمه الله في تفسيره فإن الآية تفيد كذلك في بعض معانيها قلة السابقين في كل قرن كذلك والله أعلم، فهذه القلة يجب على الأمة عمومًا وعلى الأمراء خصوصًا أن يراعوا فضلهم فيقبلوا منهم القليل إن أحسنوا، إذ قليلهم ليس بقليل كما قال القائل:

قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل

و في الحديث في فضل السابقين من أصحابه على بقية الأصحاب: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) ، وقد عُلم أن كثرة العبادة صارت في المتأخرين أكثر من الاولين ولكن هيهات أن يبلغ فضلها ما بلغ به الأولون، لأن الأولين هم أصل الأمر وأوله وهم الداعون له، والتابع تابع كما قالوا فما هو إلا فرع لأصل ولاحِقٌ لمتقدم، فهل ما أنفَقَتْه خديجة رضي الله عنهما مهما كان قليلًا في ظاهره هو أقل مما أنفقه أي لاحق؟! لا والله، وهل ما أنفقه أبو بكر رضي الله عنه كما أنفقه غيره؟! وهل المعادلة تكون بالعدد أم بالأثر والسبق والتقدم؟! اللهم إن الأولين السابقين لا يعدلهم أحد في الفضل والإيمان وهؤلاء السابقون إن أساؤوا -و هي صفة لازمة للبشر مهما كان صلاحهم وفضلهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التّوّابون) - فإن أساؤوا في غير الحدود فحسناتهم ماضية عند الله وكذا يجب أن يكون الأمر عند البشر، فعلى الناس أن يتجاوزوا ويعفوا ويصفحوا عن سيئاتهم، فلا يلاحقونهم كما يلاحقون غيرهم، ولا يثربون عليهم كما يثربون على الصغار، وهذا ليس من الباب الذي حذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقعت فيه بنوا إسرائيل: (إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق الشريف تركوه) ، فهذا يفترق في أمرين: أن المنكر في هذا الحديث هو إسقاط الحدود وهي حق الله لا تسقط عن أحد، ولو سقطت الحدود لسقطت عن مسطح بن أثاثة رضي الله عنه في حادثة الإفك وهو البدري الذي قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، والثاني: أن معيار التفضيل عند المغضوب عليهم هو الشرف والفقر والقوة والضعف، وهذا شر وسبيل شراء الذمم وضياع الحقوق.

(1) ابن كثير رحمه الله ضعّف قول ابن جرير ومن تبعه ممن قال بقوله كالقرطبي في قوله: إن المقصود بالثلة من السابقين هم الأمم السابقة من أتباع الأنبياء، وإن القليل من المتأخرين هم من هذه الأمة، وقال القرطبي: وسُمُّوا قليلًا بالإضافة إلى من كان قبلهم، لأن الأنبياء كانوا كثرةً فكثُر السابقون إلى الإيمان منهم. قال ابن كثير: القول الذي اختاره ابن جرير فيه نظر بل هو ضعيف. وما قال ابن كثيرصحيح، ويشهد له قول صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت