وهكذا تتواصل الرحلة، لا ترهق بماض، ولا يثقلك حاضر، ولا تنقطع الآمال. إياك أن تنْدم أنك ضيعت وقتًا أو جهادًا في مكان ما، فتقول: عملت هنا فلم أقطف، وبنيت هناك ولم أُقِم، فهذه الدنيا مسارح عجيبة، فقد زرع رسول الله ثلاثة عشر عامًا في مكة وكانت الثمار في المدينة، ورمى علماء كثر البذر في أرض فحملتها رياح البركة إلى أرض أخرى وزمن آخر، فها هو ابن تيمية ينبت بذره الآن شجرًا مثمرًا عاليًا، وها هو سيد قطب تجنى غراسه بعد موته، وتفكر في إبراهيم عليه السلام وهو ينادي (و أذّن في النّاس بالحج) في أرض قفرة، صحراء لا زرع ولا ماء، فأسمع الله الخلق أذانه واستجابت له أمم لا يعلمها إلا الله بعده، وها هي العيون تشرئب إلى ذرية إسحق والأسباط، والعين تكاد تميل عن هذا الرضيع وأمه في البيداء، إسماعيل وأمه هاجر، ولكن كان لكلمة الغيب فصل آخر، فالخير لا يضيع -أحصاه الله ونسوه-، فلا عليك أن لا تحصيه وهو في يد الله تعالى التي تنميه رحمة وقبولًا.
اهتم بنفسك أن تكون غريبا أو عابر سبيل، وأما شأن الأرض فهو فعل الرب: (فأما الزبد فيذهب جفاءًا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما لي وللدنيا، إنَما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها) والله يقول: (ورفعنا لك ذكرك) ، و (إنّ شانئك هو الأبتر) . فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل.