فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 98

والرزق بعد الفاقة أو قلة ذات اليد وغير ذلك من وعود إلهية مبسوطة في الكتاب والسنة.

ومن عجائب ما يراه المرء الناظر في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الدعاء يوم بدر اجتهادًا شديدًا وأبو بكر الصديق يقول له:"كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز ما وعدك"وأبو بكر لم يعلم بالوعد إلا من خلال هذا الداعي العظيم -رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فهل أبو بكر ذاكر لأمر نسيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - وهذا ليس ببعيد لجواز نسيان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم- ولكن ليس هذا هو الواقع- مع جواز وجوده كونًا- وإنما الواقع هو حاجة الوعد للمكاثرة والمتابعة حتى يتحقق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا من أبي بكر، فأبو بكر نظر إلى الوعد بإطلاق ورسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما يجب عليه من حقوق لهذا الوعد، وما يحتاجه هذا الوعد حتى يقع، وهو وعد عظيم يحتاج إلى اجتهاد ملائم له حتى يقع، مع أن في هذا الحديث فضيلة عظيمة للصديق وهي شفقته على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيامه بهذا الإجتهاد الملائم لوقوع الوعد بالنصر، ولكن هيهات أن يترك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حق هذا الواجب أو أن لا يشارك فيه بالنصيب الأوفر وذلك بالدعاء والإستغاثة في طلب النصر.

هكذا المجاهدون والعلماء والدعاة والعبّاد ترقب قلوبهم البوادر ومطالع الوعود فيرعونها مع غفلة الناس عنها أو استهزاء المنكرين لها، كاستهزاء قوم نوح به وهو يصنع السفينة على اليابسة، ولكن هم يفهمون فهم القلوب الزائد عن العلم بالحد الشرعي كما قال تعالى عن سليمان تفضيلًا له على أبيه داوود عليهما السلام: (ففهّمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكمًا وعلمًا) وقال: (و لقد آتينا داوود وسليمان علمًا) .

ليتذكر العاملون سنن السماء والغيب وليرعوها كما يرعون سنن الأرض فإن لهم شأنًا معها، وليتذكروا أن رسول الله دعا ربه شهرًا كاملًا لينج الله بعض أصحابه حتى استجيب له، ودعا في مكة ثلاث عشرة سنة حتى تحقق أول النصر بهداية أهل المدينة من الأنصار وجاهد عشر سنين حتى فتح مكة، فهذه ثلاث وعشرون سنة كاملة حتى تحقق الوعد، وعندما دعا على قوم مضت سنة الله في غير ما كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجود موجب آخر أنزل الله عليه - (ليس لك من الأمر شيء) - كما في سورة آل عمران ومن تأمل تمام الآية في قوله: (أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون) علم حقًا ما نحن بصدده، وعندما دعا ربه أن لا يجعل عذاب هذه الأمة بالقتال بينها لم يجب الله لدعائه لجريان القدر بخلاف ما يريد رسول الله لأمته وما يحبه لها.

ولولا أن الأمر مع هذه الأبواب أمر إشارة وتنبيه لكان الشرح طويلًا، والله يغفر لي ولإخواني، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وما ضياع الأعمال إلا بالاستعجال - (ولكنّكم تستعجلون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت