فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 98

أخي: لا تثريب على النفوس إن ضاقت وأغلقت عليها الأمور، فالفرِح يقول غالطًا:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، والحزين ينسى كما نسيت أم موسى عليه السلام ما أوحى الله لها: (إنّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) لكن الشوق إلى فلذة كبدها وحشاشة نفسها (و إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) فترسل أخته لتتبع أثره أين يكون مستقره: (و قالت لأخته قصّيه) ما عوقبت ولا قيل لها: أنسيت وعد الله أن يرده إليك حتى أرسلت أخته وراءه، لا يا عبد الله هذه مواطن لا تثريب فيها على السالكين وقد علم الله من أهلها حبهم لدين الله تعالى وانتصارهم للحق، وإيثارهم للدين على ما سواه، ألم يقل الحبيب المصطفى لما أمر بالصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب فقال الحبيب: (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأمّا العباس بن عبد المطّلب فعمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه صدقة ومثلها معها) فانظر أخي الفقيه كيف ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعل الواحد إلى مراتب متعددة بحسب الناس ومنازلهم، فأما ابن جميل فعوتب، وفي المعاتبة تقريع وتأنيب، وأما خالد بن الوليد ففي ربوة أخرى إذ كيف يمنع الرجل زكاة ماله وهو الذي حبس كل ماله للجهاد!! إذا دعوا أمر فإن من أتى العوالي لا يسأل عن أدنى منها، وأما العباس فهو العم الذي لا يعاتب وفي الوسع تحمّل ما يأتي، فدعوه وأنا أدفع لكم ما وجب عليه بل ومثلها معها، وهكذا هي حكمة النبوة ونورها وهديها، لا يفقهها الصغار الجهلة الذين يقفون عند الظواهر فحسب.

(ولو لبثت في السّجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) : يوسف عليه السلام هو أكرم الناس فهو الكريم بن الكريم بن الكريم، لبث في السجن بضع سنين ظلمًا وعدوانًا، ليس له من ذنب إلا أنه بهيّ الطلعة، حاز على نصف الحسن الذي كان في أبيه آدم عليه السلام، لم يوافق عصبة المكر من النساء على الفاحشة، فكان الحل الشيطاني لهذه المعضلة هو سجنه، ولائحة الإدعاء: أنت رجل جميل وطاهر، وكأنهم يقولون: نحن نعلم ما عليه القوم في بلدنا مصر من الفاحشة لكن طهرك يفضح هذه القذارات، إذًا لنسجنن حسنك وطهرك وهكذا كان.

ومرت عليه السنون صابرًا محتسبًا، ومن لم يذق القيد ووحدة السجن ظلمًا ما كان له أن يتكلم أو يقول في هذا الباب، فالسجين يمضي أيامه خلف الباب ينتظر حسًا ليشعر أنه حي:

إذا جاءنا السّجان يومًا لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا

نعم: يقف خلف الباب لعل شيئًا من الحياة تدخل عليه في وحدته، فكيف إذا جاءه من يقول له: إن الملك يريد أن يراك ويسمع منك؟!

أي ثبات جبلي في نفس هذا الكريم بن الكريم بن الكريم؟!

أي اطمئنان حازه هذا الصدر فلا يتحرك له قدم لهذه الدعوة الملكية، بل يقول وهو في مجلسه، ولم يفك حبوته:

(إرجع إلى ربّك)

فإن سألك أين المفتي فقل له:

(ما بال النّسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ)

هذه قضية، قضية تاريخ يجب أن يعاد فتحه من أوله، فأنا لا أنتظر عفوًا مغموسًا بالكذب يثبت الجرم الشائع على الألسن مع إقرار القلوب بكذبه.

أيها الملك: لقد مرّ الكثير من الماء من تحت قدميك وأنت لا تشعر، فإن أردت كتابًا جديدًا فأعد كتابة التاريخ بلا تزوير ومن بدايته.

يوسف عليه السلام لم يكن واقفًا خلف الباب، بل كان واقفًا في النور.

هنا يأتي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليقول: (لو دعيت لأجبت) ، إنه خيار آخر، خيار التشريع والإمامة والإقتداء، إذ الحبيب يعلم أن ما سيفعله سيكون تشريعًا لأمته، وهو الرحيم بها، لا يحملها إلا ما يحمل الضعيف فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت