فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 98

خيار يوسف عليه السلام خيار لنفسه، ومن كان كذلك فليضع نفسه حيث قدر، وأما خيار محمد صلى الله عليه وسلم فهو خيار لأمته، ومن كان كذلك فإنه لا يختار إلا اليسر، فحين تكون لوحدك كن أبا بصير إن شئت، أشعل حروبًا كما تريد، واقطع على الكافرين كل سبلهم، واجمع حولك أمثالك من أهل الصعلكة الإيمانية فالتحف السماء نهارًا والنجوم ليلًا، وافترش رمال الصحراء لجنبك، لكن ليس هذا خيار دولة، ولا خيار القائد لأمة، بل خياره أن يعطي الكافرين ما يحبون من مطالب ليس فيها معصية، ويضع معهم العقود والصلح، ويغضب السابقون ويصرخون: مالكم ... هيا الحقوا بنا، ولكن ما كان لقائد أمة ولا حاكم دولة أن يجري هذا الجري ويسبق هذا السبق في قرارات أمته كاملة، بل يتمهل ليلحق الجميع، ويكون الخيار واسعًا للكل.

يوسف الكريم لم يجب، ومن حقه أن ينبش كل القضايا، وأن تكشف كل الأمور، وأن يجلس في السجن مختارًا، لكن خيار الحبيب وهو يكتب صلح الحديبية فينازعه سهيل بن عمرو على حق له وأنه محمد رسول الله فيقول سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، فيقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (و الله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني اكتب محمد بن عبد الله) ذلك هو الذي قال: (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إيّاها) .

إنه خيار الإمامة والقيادة لا خيار المنفرد المتحلل من التبعات.

ثم تأمل الأدب النبوي الرفيع، فحين ذكر ما قال لوط عليه السلام لم يذكر نفسه، إذ في ذكر نفسه تزكية لها وتفضيلًا لها على أخ من إخوانه، وهو كذلك صلى الله عليه وسلم، أما حين ذكر اليسر قال: (لو لبثت ... لأجبت) فقد ذكر ههنا نفسه إذ ليس في ذلك تقدمة ولا تفضيلًا، فصلى الله على الحبيب عدد خلق الله وعدد رزق الله ومداد كلمات الله وزنة عرش الله.

(ونحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم: إذ قال له:(أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) )

أخي الفطن: هل رأيت أيوب عليه السلام وهو يغتسل عاريًا فتنزل عليه أسراب الجراد ذهبًا، فقفز عليه السلام إلى ثوبه يبسطه ليجمع فيه الذهب الآتي من السماء، فيناديه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟! إذ قد حزت ما هو أفضل من الذهب هذا، وإنه لسؤال من ربنا، سؤال الحب والوداد وهو الودود، وحوار المحبين ليكشف الحبيب عن كنون صدر حبيبه، مناجاة تمت والعبد عار في موطن الحياء، فيرد العبد الحبيب بجواب الحب والالتفاتة التي تحمل كل الدلّ والطمع الحميد:"بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك"، فلن يخطر على بالي قط أني سأشبع مما يأتيني منك؟ فليس الباب معك باب الحقوق بل باب البركة، إذ كل ما يأتي منك فيه معنى لا أجده في غيره، لأنها البركة الربانية.

إنه حديث المحبين وحديث البسمات والغوص بعيدًا عن الحدود والظواهر.

تأمل الفرق بين القلوب الصدئة التي تقول: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وبين القلب الذي قيل له: (أولم تؤمن؟) فرد: (بلى ولكن ليطمئنّ قلبي) .

تأمل الفرق بين من قال: (هل يستطيع ربّك أن ينزل علينا مائدة من السماء فلما قيل لهم: اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين) فردّوا باضطراب غير سويّ:

1. (نريد أن نأكل منها)

2. (و تطمئنّ قلوبنا)

3. (و نعلم أن قد صدقتنا)

4. (و نكون عليها من الشاهدين)

فالأكل أولًا ثم ... وماذا؟: (و نعلم أن قد صدقتنا) وبين قول عيسى عليه السلام: (اللهم ربّنا أنزل علينا مائدة من السماء)

1. (تكون لنا عيدًا لأوّلنا وآخرنا)

2. (و آية منك)

3. (وارزقنا وأنت خير الرّازقين)

فانظر مراتب الطالبين للزيادة مع ثبات الأصل، وبين من علق الإيمان على شرط باطل، أو إضطراب في تصديقه حتى يرى.

إبراهيم عليه السلام آمن وسار في درب الإيمان ولكن لا غنى له عن البركة، وكذا من كان على درب الإيمان والجهاد والدعوة.

لا يعمل ليغفر له فقط ولكن يعمل شاكرًا.

لا يحمد شاكرًا لنعمة أتته، ولكن يحمد ربه لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

قف عند قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنّي أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك) ، هل ترى هذا الصعود في درجات النور والبركة؟ (و أعوذ بك منك)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت