هذا الفعل الشيطاني لا بد من هزيمته، وهزيمتُه إزالتُه، وهذا ككل الشر، وشرط هزيمته هو حصول التكافؤ، وهذا الشرط كثيرًا ما يغفل عنه العاملون، إذ يظنوا أن مجرد وجود الفعل كاف لتحقيق الفعل، وهذا خطأ منتشر في عقول المسلمين في الشرعيات كثيرًا كما هو منتشر في الكونيات فبما يتعلق بالعمل لدين الله تعالى وتحقيق النصر والهداية، والتكافؤ لابدّ له من التتابع حينًا كما لا بد له من التنوّع والتركيب حينًا آخر وقد يحتاج إلى الأمرين -التتابع والتركيب-، كما حصل مع الرجل الذي شكى للنبي صلى الله عليه وسلم استطلاق (من الإطلاق والإنفلات) بطن أخيه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقيه عسلًا، فسقاه فلم يشف، ثم عاد شاكيًا، فأمره بالزيادة وهكذا حتى حصل المقصود، فبمجرد جرعة من عسل لا تكفي لبعض الأمراض بل لابدّ من التكافؤ، فالبعض يظن أنه بمجرد لعقة من عسل لابدّ من الشفاء لقوله تعالى: (فيه شفاء للناس) ، بل أن بعض الأمراض لا يكفي العسل لوحده، كما قال سلفنا قديمًا -ومنهم ابن القيم في الطب النبوي-: إن الأطعمة غير المركبة ينفع لأمراضها الأدويةُ غير المركبة، لكن الأمراض المركبة لابدّ لها من الأدوية المركبة، فبعض الأمراض لا ينفعها العسل لوحده، إذ لابدّ من التكافؤ في شيئين: الكمية والنوع، وهذا الذي عينته بـ"التتابع والتركيب"، فهذا النائم لم ينفعه أن يذكر الله تعالى لحلّ كل العقد بل احتاج إلى التنوع والتتابع، فالعقدة الأولى أزالها الذكر، والثانية لابدّ لها من ملائم مكاني وهو الوضوء، والثالثة لم ينفعها إلا الصلاة، وفي العمل الجماعي لابد من هذا الأمر وتذكُّرُه ودليله حديث الذين آواهم المبيت إلى الغار فلم ينفعهم إلا الدعاء بصالح أعمالهم، ولما ينجهم دعاء واحد منهم، بل دعوا جميعًا، وكل واحد حقق من الفرج بمقدار دعائه، ولم يقع الفرج الكلي إلا بدعائهم جميعًا، فإن هذا هو الملائم لما هم فيه، فهذا القانون والسنة لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا في الجهاد والدعوة والدعاء وأي عمل من أعمال الدنيا أو الآخرة، والإنحراف في هذه القاعدة هو الذي يوقعنا في جهالة فهم قدر الله تعالى من جهة وجهل وعود الله تعالى وشرعه من جهة أخرى، فتكثر الأسئلة: لِمَ لَمْ تقع هذه النتيجة وقد حققنا شرطها؟، والصواب: أن سنة الله تعالى جارية بأن الفعل لابد من وقوعه إن تحققت شروطه، لكن هذا السؤال ينتج بسبب جهالة ما هي الشروط، فليس مجرد الدعاء يحقق الإجابة بل لابد من التكافؤ كما تقدم في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وليس مجرد الجهاد يحقق النصر بل لابد من التكافؤ، ومن شروط التكافؤ هو معادلة الموانع، لأن القوة الكافية هي سلامة الفعل وعدم وجود الموانع كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى.
فهذا الذي انحلت عقده كلها ووقع المطلوب صار هذا الفعل سببًا لفعل آخر لقوله صلى الله عليه وسلم: (أصبح نشيطًا طيّب النفس) ، وهكذا تتوالى الحياة مركبة، كل فعل يحتاج إلى ما قبله، وكل فعل يحتاج إلى شروط في نفسه، وكل فعل يحتاج إلى شروط تحيط به وتواكبه، ولذلك لا يقال اليوم: لِمَ لا ننتصر؟ ففي هذا السؤال عماية عن تاريخنا الذي ورثنا نتائجه، نتائج أفكار منحرفة وأعمال ضالة وكسل أحاط كل جوانب العمل أو أغلبها في حياة أمتنا. وفيه عماية عن شروط النصر الذاتية وفيه عماية عن الشروط الموضوعية التي تحيط بنا. كما لا يجوز لنا أن نسأل عن عمل صالح لا يحقق النتيجة النهائية، لأن النتيجة النهائية هي ثمرة لتجمع أعمال طويلة لم تكن وقتها كافية لإظهار النتيجة، فالشجرة العظيمة لا يتلفها قضمة نملة صغيرة، لكن هذه القضمة هي الوحدة الأولى لانهيار الشجرة فهذا النائم لا يسأل: ماذا سينفعك الذكر إذ لا يحل عقدك كلها؟ لأن الذكر هو اللبنة الأولى لإزالة هذه العقدة.
هذه هي حكمة الحياة وهذه سننها، ومع الفهم لدين الله تعالى وحرقة التجارب تستقر الحكمة في القلوب والعقول، ويبقى أمر: هل يئس الشيطان من أن يعقد على رأس كل نائم، وفي كل ليلة؟ الجواب معروف، لكن لِمَ ييأس أهل الإسلام من محاربته في كل صباح وكل يوم وكل لحظة؟ هذه هي المعضلة. كل يوم وفي كل لحظة أنت مدعو للمجاهدة والصبر والذكر والثبات والتذكر والتفكر والتعلم، (فإذا فرغت فانصب) .