1 -اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ نِعْمَتِهِ ... أَنْ بَثَّ فِي الْمَشْرُوعِ سِرَّ حِكْمَتِهِ
2 -وَهَيَّأَ الْعُقُولَ لِلتَّصْرِيفِ ... بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ
3 -وَأَرْسَلَ الرُّسْلَ مُبَشِّرَينَا ... بِمَا أَعَدَّهُ وَمُنْذِرَيْنَا
4 -وَخَصَّنَا بِمِسْكَةِ الْخِتَامَ ... وَالرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ لِلْأَنَامِ
5 -وَمَنْ بِنُورِ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ ... أَنْقَذَنَا مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَةِ
6 -مُحَمَّدٍ صَفْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ ... الْمُجْتَبَى بِالْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ
7 -أَرْسَلَهُ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَا ... فَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِهْطِعِينَا
8 -وَدَخَلُوا فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا ... وَاتَّخَذُوا شِرْعَتَهُ مِنْهَاجًا
9 -وَلَمْ يَحِدْ عَنْ ذَاكَ إِلَّا حَاسِدُ ... أَوْ جَاحِدٌ لِحَقِّهِ مُعَانِدُ
10 -فَانْتَسَخَتْ بِشَرْعِهِ الشَّرَائِعُ ... وَانْقَطَعَتْ عَنْ غَيْرِهِ الْمَطَامِعُ
11 -وَاخْتَصَّهُ اللَّهُ بِمُعْجِزَاتِ ... مِنْهَا الْكِتَابُ الْوَاضِحُ الْآيَاتِ
12 -أَنْزَلَهُ مُفَصَّلَ الْأَحْكَامِ ... مُبَيَّنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
13 -صَادِعَةً آيَاتُهُ بِصِدْقِهِ ... وَفَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ
14 -فَأَكْمَلَ الدِّينَ بِهِ لِلْأُمَّةِ ... مُتَمِّمًا عَلَيْهِمُ بِالنِّعْمَةِ
15 -وَإِنَّ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ ... بِمِثْلِهِ لَأَعْظَمُ الْبُرْهَانِ
16 -وَإِذْ أَقَرَّ الشَّرْعَ أَصْلًا أَصْلَا ... خُيِّرَ فَاخْتَارَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى
17 -وَبَقِيَ الْهُدَى لِبَاقِي أُمَّتِهِ ... فِي مُقْتَضَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ
18 -عَلَيْهِ مِنْ بَاعِثِهِ بِالْحِكْمَةِ ... أَزْكَى الصَّلَاةِ وَأَعَمُّ الرَّحْمَةِ
19 -وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ حَيَاةٌ ثَانِيَةْ ... لَهَا دَوَامٌ وَالْجُسُومُ فَانِيةْ
20 -وَمُذْ غَدَا ظِلُّ الشَّبَابِ زَائِلَا ... وَلَمْ أَنَلْ مِنَ الزَّمَانِ طَائِلَا
21 -جَعَلْتُ فِي كُتْبِ الْعُلُومِ أُنْسِي ... وَعَنْ سِوَى الْعِلْمِ صَرَفْتُ نَفْسِي
22 -فَالْعِلْمُ أَوْلَى مَا انْقَضَى بِهِ الزَّمَنُ ... وَكُتْبُهُ هِيَ الْجَلِيسُ الْمُؤْتَمَنُ
23 -وَالْمَوْرِدُ الْمُسْتَعْذَبُ الْفُرَاتُ ... وَمِنْ أَجَلِّهَا الْمُوَافَقَاتُ
24 -لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ الْمُرَاقِبِ ... ذَاكَ أَبُو إِسْحَاقَ نَجْلُ الشَّاطِبِي
25 -فَهْوَ كِتَابٌ حَسَنُ الْمَقَاصِدِ ... مَا بَعْدَهُ مِنْ غَايَةٍ لِقَاصِدِ
26 -وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ بِالْعُنْوَانِ ... وَاخْتَارَ مِنْ رُؤْيَا ذَا الِاسْمِ الثَّانِي
27 -وَقَدْ سَمَعْتُ بَعْضَهُ لَدَيْهِ ... وَمِنْهُ فِي تَرَدُّدِي إِلَيْهِ
28 -لَاكِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِلَافِي ... إِلَّا يَسِيرَ الْقَدْرِ غَيْرَ شَافِ
29 -لَأَنْ ثَنَى التَّقْصِيرُ مِنْ عِنَانِي ... وَصَدَّنِي عَنْ قُرْبِهِ زَمَانِي
30 -حَتَّى غَدَتْ حَيَاتُهُ مُنْقَضِيَه ... فِي عَامِ تِسْعِينَ إِلَى سَبْعِ مَائَه
31 -وَالْآنَ مُذْ نَبَذَتْ عَنِّي شُغُلِي ... وَصَارَ نَيْلُ الْعِلْمِ أَقْصَى أَمَلِي
32 -جَدَّدْتُ عَهْدِي بَاجْتِنَاءِ زَهْرِهِ ... وَرُضْتُ فِكْرِي فِي اقْتِفَا أَثَرِهِ
33 -فَجُلْتُ مِنْهُ فِي مَدَى بَيَانِ ... بَلْ رَوْضَةٍ مِنْ ثَمْرِهَا الْمَعَانِي
34 -فُنُونُهَا تَشَعَّبَتْ أَفْنَانُهَا ... وَاخْتَلَفَتْ بِأُكْلِهَا صِنْوَانُهَا
35 -فَمَوْرِدُ الصَّادِي بِهَا رَحِيقُ ... وَمُجْتَلَاهُ زَهْرُ أَنِيقُ
36 -لَاكِنْ رَأَيْتُ مُرْتَقَاهُ صَعْبَا ... وَمُنْتَدَاهُ فِي الْمَقَالِ رَحْبَا
37 -فَمَالَتِ النَّفْسُ إِلَى تَحْرِيرِهِ ... فِي رَجَزٍ قَصْدًا إِلَى تَيْسِيرِهِ
38 -بِضَمِّ مَا انْتَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ ... وَنَظْمِ مَا انْتَثَرَ مِنْ فَرَائِدِهِ
39 -بَنَيْتُ فِيهِ عَلَى الِاقْتِضَابِ ... وَمِلْتُ لِلْإِيجَازِ لَا الْإِطْنَابِ
40 -مُنْتَخِبًا مِنَ الْفُصُولِ مَا نَحَا ... وَمَا بِهِ الْفِكْرُ الكَلِيلُ سَمَحَا
41 -مِنِ اعْتِرَاضَاتٍ وَتَنْبِيهَاتِ ... وَمِنْ أَدِلَّةٍ وَتَوْجِيهَاتِ
42 -وَجَاعِلًا لَهُ مِنْ السِّمَاتِ ... نَيْلَ الْمُنَى مِنَ الْمُوَافَقَاتِ
43 -فَعَدُّهُ لَمْ يَعْدُ فِي الْمَسْطُورِ ... سِتَّةَ آلَافٍ مِنَ الْمَشْطُورِ
44 -وَهَا أَنَا بِمَا قَصَدْتُ آتِ ... مُقَدِّمًا حُكْمَ الْمُقَدِّمَاتِ
45 -وَأَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالْإِعَانَةْ ... فِي شَأْنِهِ مِنْ رَبِّنَا سُبْحَانَهْ