بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: من لطائف وأسرار (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) (مرتبا بالآيات والسور)
المؤلف: أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين (المتوفى: 923 هـ)
الشارح: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي (المتوفى: 1122 هـ)
جمع وترتيب/ العاجز الفقير: عبد الرحمن القماش
(من علماء الأزهر الشريف)
[الكتاب مرقم آليا، وهو غير مطبوع]
لطائف ودقائق من كتاب/ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
للعلامة/ الزرقاني
جمع وترتيب عبد الرحمن القماش
(لطيفة: في حديث: إنه ليغان على قلبي)
وقيل: الغين شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره.
وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر الله لهم.
وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر لما أولاه.
وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية، أخبر عليه السلام أنه يغان على قلبه من أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى ومراده قوله في"الشفاء": وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرًا لله تعالى، وملازمة لعبوديته.
قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا، وتكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذي نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون"الغين"مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله صلى الله عليه وسلم، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء أمرًا محمودًا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، وانتهى.
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه"لطائف المنن"أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن هذا الحديث"إنه ليغان على قلبي"فقال لي: يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار.
(لطيفة)
والمشهور: أنه - صلى الله عليه وسلم - ولد"يوم الاثنين"ثاني عشر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.
وإنما كان في شهر ربيع الأول على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا في رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه.
وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين.
ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين - المخلوق فيه آدم- من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته بسبب عناية وجوده قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
فيا شهرًا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلئ في العقود، ويا وجهًا ما أشرقه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا.
يقول لنا لسان الحال منه ... وقول الحق يعذب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي ... ربيع في ربيع في ربيع
(لطيفة أخرى)
قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه عليه السلام استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله:"لا أحصي ثناء عليك"أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك.
وقوله:"أنت كما أثنيت على نفسك": اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء أثني عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه, فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى.
وههنا فائدة لطيفة ذكر بعض المحققين، في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهي أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله تعالى أعلم.
وروى أبو داود: أنه صلى الله عليه وسلم سجد على الماء والطين.
وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه ويرفع منه رأسه قبل يديه ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى.
وكان عليه السلام يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره.
قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة.