وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .
ففي هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الثقلين.
وقالت العيسوية من اليهود وهم أتباع عيسى الأصفهاني: إن محمدًا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل.
ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية؛ لأن قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} خطاب يتناول كل الناس، ثم قال: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وهذا يقتضي كونه مبعوثًا إلى جميع الناس.
وأيضًا: فلأنًا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن نقول: إنه كان رسولًا حقًا، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولًا حقًا امتنع الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.
وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك.
أما الأولون فقالوا: دخله التخصيص من وجهين:
الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه عليه السلام قال:"رفع القلم"عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق"."
والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"رواه مسلم. ومفهومه: أنه من لم يسمع به ولم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل الشرع على الصحيح، وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ، حال من الضمير في (إليكم) ."
قال المفتي: لما حكى ما في الكتابين من نعوته صلى الله عليه وسلم، وشرف من يتبعه من أهلهما ونيلهم لسعادة الدارين، أمر عليهالصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم، بل شاملة لكل من تبعه كائنًا من كان، ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص سائرالرسل بأقوامهم، وإرسال موسى إلى فرعون، وملئه بالآيات التسع، إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين، وترك العظمة التي كان يدعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر، وأما العمل بأحكام التوراة، فمختص ببني إسرائيل. انتهى.
"ففي هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الثقلين"الإنس والجن، سيما بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو؛ لأنهما مثقلان بالتكليف، ووجه الدلالة أن الناس وإن غلب استعماله في الإنس، لكنه اسم للإنس والجن؛ لأنه مشتق من ناس ينوس، إذا تحرك فيطلق عليهما وبهما، فسر في صدور الناس.
"وقالت العيسوية من اليهود، وهم أتباع عيسى"المنقول لغيره أبي عيى"الأصفهاني"، زاد في نسخة: النصراني، ولا ينافيها قوله أولا من اليهود، لجواز أنه كان نصرانيا، ثم تهود، فتبعته تلك الطائفة:"إن محمدا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل، ودليلنا على إبطال قولهم في هذه الآية؛ لأن قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} خطاب عام"يتناول كل الناس"العرب، وبني إسرائيل وغيرهم، فتخصيصه بالعرب من أين،"ثم قال"بأمر الله تعالى قل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس، اقتضاء ظاهرا، لا سيما مع قوله جميعا، فهو قريب من الصريح."
"وأيضا"دليل ثان في الرد على العيسوية:"فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي"، أي: يذكر"أنه مبعوث إلى الثقلين، فإما أن نقول أنه كان رسولا حقا، أو كان كذلك"من إرخاء العنان للخصم للزوم الحجة له،"فإن كان رسولٌا حقًا"كما اعترفت به أيها الخصم،"امتنع الكذب عليه"، لاستحالته على الرسول،"ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه"ومنه أنه رسول إلى بني إسرائيل،"فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية"لما يقل بصريحها، لاحتمال أن أل فيها للجنس، ولكن يمنعه، أو يبعد التأكيد بقوله جميعًا؛"أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل"وعبر بيدعي؛ لأن الإدعاء قول يخالف الظاهر، كما قدمه، وهذا وإن طابق الواقع بحسب نفس الأمر، لكنه مخالف للظاهر، فلذا أتى بالأدلة والبراهين لإثبات رسالته.
"وإذا ثبت هذا، فنقول قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم جَمِيعًا} ، من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك".
"أما الأولون"ترك عديله إما لظهوره، أي: وأما المنكرون، فقالوا: هو باق على عمومه، والتكليف، ووصول خبر الرسالة ليس شرطًا في الرسالة، وإنما هو شرط في المؤاخذة بما بلغه.
"فقالوا: دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول الله إلى الناس، إذا كانوا من جملة المكلفين"لا مجانين وصبيانًا،"فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه عليه السلام قال"كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، عن علي وعمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"رفع القلم عن ثلاث"كناية عن عدم التكليف؛ لأنه يلزم منه الكناية، وعبر برفع إشعارًا؛ بأن التكليف لازم لبني آدم، لا ينفك عنهم إلا عن ثلاثة،"عن الصبي"الطفل، ولو مراهقًا"حتى يبلغ"وفي رواية: حتى يكبر، وأخرى: حتى يشب، وأخرى: حتى يحتلم.
قال السبكي: ليس في روايتي"حتى يكبر"، وحتى يبلغ من البيان ما في رواية حتى يحتلم، فالتمسك بها لبيانها أولى؛ لأن حتى يبلغ مطلق، وحتى يحتلم مقيد، فيحمل عليه، فإن الاحتمال بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ السن ليس ببلوغ قطعًا،"وعن النائم حتى يستيقظ"من نومه،"وعن المجنون"زاد في رواية: المغلوب على عقله"حتى يفيق"وفي رواية: حتى يبرأ، أي: بالإفاقة، وفي أخرى: حتى يعقل، وفي أخرى: وعن المبتلى حتى يبرأن أي: المبتلي بداء الجنون.
قال ابن حبان: والمراد برفع القلم ترك كتابة الشر عليهم دون الخير.
قال الزين العراقي: وهو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم؛ لأنهما في حيز من ليس قابلًا لصحة العبادة منهم لزوال الشعور، فالمرفوع عن الصبي قلم المؤاخذة، لا قلم الثواب، لقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة لما سألته:"ألهذا حج؟، قال:"نعم"واختلف في تصرف الصبي، فصححه أبو حنيفة ومالك بإذن وليه مراعاة للتميز، وأبطله الشافعي مراعاة للتكليف."
"والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا"قد يشعر بعدم وجوده والمصرح به في الفروع والأصول، خلافه"حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره، وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته، فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته"ويكونون من الناجين في الآخرة لعذرهم بعدم بلوغ الدعوة، ولكن لا يصلي عليهم؛ لأنه إنما يصلى على المحقق إسلامه، ولا يجوز لعنهم؛ لأنهم لعدم تكذيبهم في معنى المسلم، كما قال الغزالي: أنه التحقيق لا مسلم، كما عبر به بعض، أو على الفطرة، كما عبر به آخر، واختار السبكي التعبير بناج.
"وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال:"والذي نفسي بيده"أقسم تقوية للحكم،"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة"التي وجد فيهم إلى قيام الساعة،"ولا يهودي، ولا نصراني"عطف خاص على عام، لإفادة عموم بعثته،"ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"الخالدين فيها،"رواه مسلم"وأحمد."
"ومفهومه أن من لم يسمع به، ولم تبلغه دعوة الإسلام، فهو معذور"فيكون ناجيًا"على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل الشرع على الصحيح"، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ؛ ولأن الغافل لا يكلف، لقوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} ، ثم اختلف هل نجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنة غير متوقفة على الامتحان، أو متوقفة عليه، لورود أحاديث كثيرة؛ بأنهم يمتحنون يوم القيامة ببعث رسول إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها.
"وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم"لجعله من لم يؤمن برسالته من أهل النار، وإنما يكون كذلك بموته كافرًا، وكفره يستدعي نسخ الشريعة التي هو متمسك بها، والله أعلم.