فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 847

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(60)}

(فصل: فيما اختص به صلى الله عليه وسلم مما حرم عليه)

فمنها: تحريم الزكاة عليه، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال عليه الصلاة والسلام:"إنا لا نأكل الصدقة"رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث.

قال شيخ الإسلام ابن العراقي، في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى.

والحكمة في ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.

ومنها: تحريم الزكاة على آله صلى الله عليه وسلم وتحريم كون آله عمالا على الزكاة في الأصح، كذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم في الأصح خلافًا للمالكية وهو وجه عندنا.

ومنها: أنه يحرم عليه صلى الله عليه وسلم كل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل، لتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة.

والأكل متكئًا في أحد الوجهين فيهما، والأصح في الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلي الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضًا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما"أي: أشياء"اختص به صلى الله عليه وسلم"عن الأمة، فلا ينافي مشاركة الأنبياء له في بعضها"مما حرم عليه"دون أمته، ليكثر ثوابه في اجتنابه، وخص بها تكرمة له، لأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه، وفعل المندوب،"فمنها"أي: المحرمات عليه وعلى آله لأجله:"تحريم الزكاة عليه"أي: أخذها وعدم سقوطها عن مالكها لو وقع،"وكذا الصدقة"والكفارة والنذور"على الصحيح المشهور المنصوص، قال عليه الصلاة والسلام:"إنا لا نأكل الصدقة"وهي تشمل الفرض والنفل"رواه مسلم".

قال البلقيني: وخرجت على ذلك؛ أنه يحرم أن يوقف عليه معينًا؛ لأن الوقف صدقة تطوع، قال: وفي الجواهر له يؤيده، فإنه قال: صدقة التطوع كانت حرامًا عليه. وعن أبي هريرة، أن صدقات الأعيان كانت حرامًا عليه دون العامة، كالمساجد ومياه الآبار، قاله في الأنموذج.

"ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث"بل يرده قوله صلى الله عليه وسلم:"إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة"رواه أحمد بإسناد قوي، كما في الفتح، وجزم الحسن البصري؛ بأن الأنبياء مثله، لأنها أوساخ، وقال ابن عيينة: تحل لهم بدليل: وتصدق علينا.

"قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام الامتناع من أكل الصدقة، إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى"لأن القائل بالتنزه لم يقل بأكلها،"والحكمة في ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس"لأن الصدقة تطهر المال واجبة، كالزكاة، أو مندوبة كالتطوع، ولأنها تنبئ عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه، وأبدل بها الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لأنبائه بعز الآخذ وذل المأخوذ منه.

"ومنها: تحريم الزكاة على آله"وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب عند الشافعية وبعض المالكية، والمشهور عندهم بنو هاشم فقط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"رواه مسلم، ولقوله:"إن الله حرم عليّ الصدقة وعلى أهل بيتي"، رواه ابن سعد وغيره.

قال الطيبي: وقد اجتمع في الحديث مبالغات شتى، حيث جعل المشبه به أوساخ الناس للتهجين والتقبيح، تنفيرًا واستقذارًا، وأجل حضرة الرسالة ومنبع الطهارة أن ينسب إلى ذلك، فجرد عن نفسه الطاهرة من يسمى محمدًا؛ كأنه غيره وهو هو، فإن الطيبات للطيبين، لا يقال كيف أباحها لبعض أمته، ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لأنا نقول: ما أباحها لهم عزيمة، بل اضطرارًا، وكم من حدث تراه ناهيًا عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالميتة، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، انتهى.

"وتحريم كون آله عمالا"ولو من بعضهم لبعض"على الزكاة في الأصح"لخبر الحاكم عن علي، قلت للعباس: سل رسول الله أن يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال:"ما كنت لأستعملك على غسالة الأيدي"،"وكذا يحرم النذر والكفارة إليهم"ولكون تحريم ذلك على آله بسبب انتسابهم إليه عد ذلك من خصائصه.

"وأما صدقة التطوع، فتحل لهم في الأصح"عند الشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية، وهو الصحيح المشهور عند المالكية، وص عليه مالك وابن القاسم، وأما قوله:"خلافًا للمالكية"فضعيف غره فيه، كالسيوطي اقتصار العلامة خليل عليه وما علما أنه متعقب،"وهو وجه عندنا"واستدل للحل بما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقات؟ فقال: إنما حرم علينا الصدقة المفروضة.

وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي، فثبت ذلك في حق القرابة، وقيس بها مواليها، زاد في الأنموذج: وعلى موالي وآله، أي خص بتحريم الزكاة عليهم في الأصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الصدقة لا تحل لنا"، وإن مولى القوم من أنفسهم وعلى زوجته بالإجماع، حكاه ابن عبد البر.

"ومنها: أنه يحرم عليه صلى الله عليه وسلم كل ما له رائحة كريهة كثوم"بضم المثلثة،"وبصل"وكراث إذا كان ذلك نبأ؛"لتوقع مجيء الملائكة والوحي له كل ساعة"فيتأذون بريحه لا مطبوخًا، فكان يأكله، كما رواه أبو داود والترمذي لانتفاء العلة.

وروى أبو داود عن عائشة: آخر طعام أكله في بيتي فيه بصل، زاد البيهقي: كان مشويًا في قدر،"والأكل متكئًا"أي: مائلا على أحد شقيه، أو معتمدًا على وطاء تحته، أو على يده اليسرى، أقوال مرت رجح بعضهم أوسطها وبعض أولها، وهذا"في أحد الوجهين فيهما"وهو مذهب مالك.

"والأصح في الروضة كراهتهما"لما في مسلم: أن أبا أيوب صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فيه بصل، وفي رواية: أرسل إليه بطعام فيه بصل أو كراث، فرده، فقال: أحرام هو؟ قال:"لا ولكني أكرهه"،"وتعقب السهيلي: الاتكاء"أي القول بتخصيصه بكراهته،"فقال: قد يكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك"في الأطعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت