قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ومعه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، وهو عليه الصلاة والسلام يناشد ربه إنجاز ما وعده من النصر ويقول:"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبدا".
وأبو بكر يقول: يا رسول الله، خل بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
فإن قلت: كيف جعل أبو بكر يأمره عليه السلام بالكف عن الاجتهاد في الدعاء ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد، ويقينه فوق يقين كل أحد؟
أجاب السهيلي نقلا عن شيخه: بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام الرجاء، والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف؛ لأن الله تعالى أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد الله في الأرض، فخوفه ذلك عبادة انتهى.
وقال الخطابي: لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أن استجيب له لما وجد أبا بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقبه بقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر.
وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا. هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأي.
وإنما قال عليه الصلاة والسلام:"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد اليوم"لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذ، لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان.
وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه في الدعاء، فإنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله يخوضون غمرات الموت. والجهاد على ضربين جهاد بالسيف وجهاد بالدعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل معه، فكان الكل في جد واجتهاد، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين وأنصار الله وملائكته يجتهدون، ولا ليؤثر الدعة وحزب الله مع أعدائه يجتلدون. انتهى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فإن قلت: كيف جعل"أي: شرع"أبو بكر يأمره عليه السلام"يسأله أو يلتمس منه على التسوية بين الأمر والدعاء والالتماس"بالكف عن الاجتهاد في الدعاء، ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد"الذي لا يصل إليه أحد، ومقام الصديق رضي الله عنه دونه بمراحل، فإنه بعد النبيين، ومقام النبي صلى الله عليه وسلم فوق الجميع."ويقينه فوق يقين كل أحد، أجاب السهيلي نقلا عن شيخه"القاضي أبي بكر بن العربي الحافظ:"بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام الرجاء"ثقة بوعد الله نبيه"والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف"قال القاضي أبو بكر: وكلا المقامين سواء في الفضل.
قال السهيلي: لا يريد: يعني شيخه، أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق سواء، ولكن الخوف والرجاء مقامان لا بد للإيمان منهما، فكان الصديق في مقام الرجاء والنبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف من الله،"لأن الله تعالى أن يفعل ما شاء فخاف أن لا يعبد الله في الأرض"بعدها"فخوفه ذلك عبادة، انتهى"ولا ريب أن خوفه أعلى من رجاء أبي بكر"وقال الخطابي: لا يتوهم"لفظه، لا يجوز أن يتوهم"أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، في تلك الحالة بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم باطنا،"والدعاء"الطلب باللسان"والابتهال"التضرع والإخلاص في الدعاء"لتسكن نفوسهم عند ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك"الاجتهاد في الدعاء"وعلم أنه استجيب له لما"حين"وجد أبا بكر في نفسه من القوة والطمأنينة"اللتين هما علامة بحسب العادة الربانية مع المصطفى وصحبه على عدم ضررهم وحصول مطلوبهم،"فلهذ أعقبه بقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْع} [القمر: 45] ،"الذين قالوا: نحن جميع منتصر، {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ،"قال في الفتح: وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا، فلا يلتفت إليه، ولعل الخطابي أشار إليه.
"وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة"الدعاء أو الشرعية، فإن وقوعها في الخوف أعلى الأحوال والدرجات،"وجاز عنده"عليه السلام"أن لا يقع النصر يومئذ؛ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا"فبفرض تأخره مدة لا ينافي أنه أعطاه ما وعده به،"هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأي"وهذا غير جواب السهيلي؛ لأن محلظه تجويز أن النصر لا يقع يومئذ ويتأخر مدة، وملحظ جواب السهيلي أنه خاف أن لا يعبد الله في الأرض، ويأتي ما قاله النووي عن العلماء.
وذهب قاسم بن ثابت في معنى الحديث إلى غير ذلك، فقال: إنما قال ذلك الصديق رة عليه صلى الله عليه وسلم لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فقال له بعض هذا: يا رسول الله! أي: لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدم بالنصر، وكان رقيق القلب شديد الإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم:"وإنما قال عليه الصلاة والسلام:"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام"ساقه هنا بلفظ مسلم وفيما مر بمعناه"فلا تعبد بعد اليوم لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه"أفاد أن العصابة هو وأصحابه لا هم فقط، لجواز أنه يدعو غيرهم أفيؤمنون ويعبدون،"لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان"وذلك مستلزم عادة لعدم الإيمان، وإن كان الله قادرا على أن الناس يعبدونه بغير واسطة رسول تتعلق إرادته بعبادتهم، كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء} [النحل: 40] الآية."
"وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه"بفتحتين: تعبه،"في الدعاء، فإنه"كما قال السهيلي"رأى الملائكة تنصب"بفتح الصاد،"في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله يخوضون"يقتحمون"غمرات الموت"شدائده"والجهاد على ضربين جهاد بالسيف، وجهاد بالدعاء. ومن سنة الإمام"عادته وطريقته"أن يكون وراء الجند"خلف الجيش،"لا يقاتل معه، فكان الكل في جد"بكسر الجيم"واجتهاد"عطف تفسير،"ولم يكن"مريدا"ليريح نفسه من أحد الجدين وأنصار الله وملائكته يجتهدون"جملة حالية،"ولا ليؤثر الدعة"الراحة،"وحزب الله"المؤمنون"مع أعدائه يجتلدون، انتهى"كلام السهيلي.