فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 847

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)}

(بعث الرجيع)

"سرية عاصم بن ثابت"بن أبي الأقلح - بالقاف، واللام والمهملة- قيس بن عصمة بن النعمان الأنصاري، من سباقهم إلى الإسلام.

روى الحسن بن سفيان: لما كان ليلة العقبة، أو ليلة بدر، قال - صلى الله عليه وسلم- لمن معه:"كيف تقاتلون"، فقام عاصم بن ثابت، فأخذ القوس والنبل، وقال: إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع، كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح، كانت المداعبة حتى تقصف، فإذا تقصفت وضعناها.

وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة.

وسياق ترجمة البخاري يوهِمُ أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كان سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها.

ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي - صلى الله عليه وسلم- بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم.

ولم يرد البخاري - رحمه الله- أنهما قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا.

وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق, فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ - عليه الصلاة والسلام- على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو أصح - فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع- ماء لهذيل, غدروا بهم, فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلّا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنَّا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأمَّا مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا, وقاتلوا حتى قتلوا - رضي الله عنهم.

وفي البخاري: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة - وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام.

والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة.

وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب, فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم.

وفي رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم.

فلما حسَّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد - بفاءين مفتوحتين ومهملتين, الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمَّة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنَّا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا.

فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.

فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا، فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله, استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها - يعني يحلق عانته-

فغفلت عن ابن لها صغير, فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده, فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر.

قال: قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا من عنب، مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا.

وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته.

والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة, لكن استثني بعض المحققين منهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء, فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك, وهذا أعدل المذاهب في ذلك.

فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام, والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك, قد كثر جدًّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة.

فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعيّن تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي.

ووراء ذلك: إن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأَوْلى من ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا والله أعلم, انتهى ملخصًا من الفتح.

ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين - وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم - وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا - يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي.

وفي رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه.

وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك .. الحديث.

ثم أنشأ خبيب يقول:

فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

والأوصال: جمع وصل، وهو العضو."والشلو - بكسر المعجمة- الجسد, ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع - بالزاي ثم المهملة- المقطّع, ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع."

وعند أبي الأسود عن عروة, زيادة في هذا الشعر فقال:

لقد أجمع الأحزاب فيّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وفيه أيضًا:

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا:

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع

ووالله ما أخشى إذا مت مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مضجعي

فلست بمبد للعدوّ تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي

قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب.

فكان أول مَن سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية.

وإنما صار فعل خبيب سنة - والسنة إنما هي أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته - صلى الله عليه وسلم, فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون.

والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت