وأما قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] الآية.
فمعناه: يستخفنك بغضب يحملك على ترك الإعراض عنهم.
والنزغ: أدنى حركة تكون، كما قاله الزجاج.
فأمره الله أنه متى يحرك عليه غضب على عداوة، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ به تعالى منه، فيكفي أمره، ويكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه. وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه، لا في أول الرسالة ولا بعدها بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله هو الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له أو ببرهان يظهر لديه كما قدمته في المقصد الأول عند البعثة، لتتم كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} من الشيطان الرجيم [الأعراف: 200] ، مع عصمته من تسليطه عليه بأذية، أو وسوسة، وإن كانت أن الشرطية لا تقتضي الوقوع،"فمعناه يستخفنك بغضب، يحملك على"
ترك الإعراض عنهم"، فهي راجعة لقوله قبلها {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} أي: لا تكافئ السفهاء الذين أغضبوك بمثل أفعالهم وأعرض عنهم فهذه الآية كما قيل جامعة لمكارم الأخلاق."
ولذا قال له جبريل لما سأله عنها: إن الله تعالى أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فهذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، لا من شي تسببه، فالغضب على الجاهل، وجزاؤه بمثل فعله تأديبًا له، لا بعد من نزغ الشيطان والاستعاذة مشروعة عند الغضب، فليست الآية منسوخة بآية القتال، كما قيل:"والنزغ أدنى": أقل"حركة تكون"، توجد"كما قاله الزجاج".
وفي الأنوار: النزغ والنسغ والنخس الغرز، شبه وسوسته الناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجًا بغرز السائق ما يسوقه، وقيل: النزغ في الآية الإفساد، فأصل معناه الطعن، ثم شاع استعماله في كل مفسد، كقوله: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي، أي: أفسد ما بيني وبينهم، وقيلك معناه يغرينك ويحركنك، والنزغ أدنى الوسوسة،"فأمره الله أنه متى يحرك عليه غضب على عدوه"لسوء ما وقع منه"أو رام الشيطان من إغرائه""بغين معجمة"وراء، أي: إيقاعه"به"كحثه على قتله وقراءته"، بغين وزاي"معجمتين تصحيف،"وخواطر أدنى"أقل"وساوسه": جمع وسواس،"ما لم يجعل له سبيل إليه"، لعصمته مفعول رام"أن يستعيذ به تعالى منه"فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجين، ولا يطيعه ويفعل بنزغه،"فيكفي أمره"بصرفه عنه"ويكون"ذلك"سبب تمام عصمته"لأنها من مجرد الخاطر نهاية الحفظ والمنع، إذ الخطور بالبال لا يصرفها،"إذ لم يسلط"الشيطان"عليه بأكثر من التعرض له"فضلًا عن التمكن منه وإيصال أذيته له"ولم يجعل له قدرة عليه"فيرجع خائبًا خاسرًا،"وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك"بأن يتمثل بمثاله، ويقول: أنا ملك، أرسلني الله إليك لحفظ الله تعالى له عنه"ويلبس"بزنة يخلط، ومعناه"عليه"أمره لا يقع ذلك"لا في أول الرسالة"أيك أول دعوة الخلق إلى الله"ولا بعدها"الظاهر بعده، أي: بعد الأول.
وأسقط من عياض قوله: والاعتماد في ذلك دليل المعجزة أي: اعتماده في أن ذلك وحي، دليل على أنه معجزة له، أو هو يعتمد على ما ظهر له من المعجزة، كتسليم الحجر والشجر"بلا لا يشك النبي"أي: نبي كان نبينا وسائر الأنبياء"إن ما يأتيه من الله هو الملك ورسوله"إليه"حقيقة"بلا شك"إما بعلم ضروري يخلقه الله له"بديهي لا يحتاج لدليل لعدم تردده فيه"أو ببرهان"دليل قطعي"يظهر لديه"مما يشاهده من الآيات، كنطق الحجر وتسليم الشجر"كما قدمته في المقصد الأول عند"ذكر"البعثة"وكل ذلك"لتتم كلمة ربك"بتبليغ أحكامه ومواعيده"صدقًا"في خبره له ومواعيده"وعدلًا": ما حكم به من الأحكام التي بلغها، وهما تمييزان محولان عن الفاعل، أو حالان:"لا مبدل لكلماته"أي: لا يمكن تغييرها، ولا تنسخ بعدما بلغت غاية لا تقبل الزيادة عليها.
ولذا كانت شريعته صلى الله عليه وسلم آخر الشرائع.