فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 847

(فصل)

وقوله: {نَافِلَةً لَك} أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: {فَتَهَجَّدْ} أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة أي الزيادة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف.

وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو صلى الله عليه وسلم يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها عليه الصلاة والسلام سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوب محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات.

وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة تعني: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [ألمزمل: 1] فقام النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه حولا، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه.

وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وقوله: {نَافِلَةً لَكَ} أي: عبادة زائدة في فرائضك"أي: الأمور المفروضة عليك صلاة أو غيرها خصصت بها دون أمتك، لأن النفل لغة الزيادة، فلا ينافي أنه واجب عليه زيادة في رفع درجاته،"ويمكن نصرة هذا القول"أي: تقويته ببيان دليله،"بأن قوله"تعالى: {فَتَهَجَّدْ} أمر، وصيغة الأمر للوجوب"وضعا،"فوجب كون هذا التهجد واجبا"عليه صلى الله عليه وسلم كما هو قول الأكثر ومالك."

"وروى الطبري"محمد بن جرير: ونسخة الطبراني تصحيف، فالذي في الفتح الطبري،"عن ابن عباس أن النافلة، أي: الزيادة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة"دون غيره والهاء للتأكيد،"لأنه أمر بقيام الليل"بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1, 2] "وكتب"فرض"عليه دون أمته وإسناده ضعيف"لكن تقوى بالأمر في الآية،"وقيل: معناه زيادة لك خالصة"من الشوائب"لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب"من الصغائر،"وتطوعه هو صلى الله عليه وسلم يقع خالصا له"لا شائبة فيه من جبر واجب يفعله، إذ لا يقع خلل في شيء من عباداته،"لكونه لا ذنب عليه".

زاد الحافظ: وروى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن، وعن قتادة كذلك، ورجح الطبري الأول، وليس الثاني ببعيد من الصواب،"فكل طاعة يأتي بها عليه الصلاة والسلام سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات وكثرة الحسنات"إذ لا ذنب تكفره الطاعات،"فلهذا سمي نافلة"أي: زيادة"بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات"كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .

"وروى مسلم من طريق سعد"بسكون العين"ابن هشام"بن عامر الأنصاري المدني، ثقة، من رجال الجميع، استشهد بأرض الهند،"عن عائشة"أوله عن سعد، قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ، قلت: بلى،"قالت: إن الله افترض"أي: فرض"قيام الليل في أول هذه السورة تعني"عائشة: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} "فقام النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه حولا"حذف منه، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا"حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف"في قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] "فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه"وهذا ظاهر في أنه كان فرضا عليه وعلى الناس، وقيل: فرض عليه وحده مندوب لغيره، لأنه خصه بالخطاب بـ {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} وقيل: لم يفرض لقوله: {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} ، إذ ليست صيغة وجوب.

"وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك"بكسر السين وخفة الميم وكاف ابن الوليد الحنفي اليمامي، ثم الكوفي،"عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة"وكذا أخرجه محمد بن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي, والحسن وعكرمة وقتادة بأسانيد صحيحة عنهم، وإنما احتاج حديث عائشة مع صحته إلى شاهد، لأنها خولفت، فروى ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: لما أنزل الله على نبيه {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله بعد عشر سنين {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} [المزمل: 20] ، إلى قوله: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} فخفف الله عنهم بعد عشر سنين.

قال الحافظ: ومقتضى ذلك، أي: حديث عائشة ومن وافقها أن النسخ وقع بمكة، لأن الإيجاب متقدم عن فرض الخمس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت