فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 847

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29)}

فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم:"ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية"، وأن الصواب في معناه: أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو القتل.

وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى عليه السلام حاكمًا بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم؟

فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبي برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.

وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بنسخه، وليس عيسى عليه السلام هو الناسخ، بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ، فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرع نبينا صلى الله عليه وسلم. أشار إليه النووي في شرح مسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم"والبخاري أيضًا: فما هذا الإبهام، كلاهما عن أبي هريرة،"قوله صلى الله عليه وسلم":"والذي نفسي بيده ليوشك"بكسر المعجمة، أي: ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعًا"أن ينزل فيكم"، أي: في هذه الأمة، فإنه خطاب لبعضها ممن لا يدرك نزوله"ابن مريم حكمًا"أي: حاكمًا"مقسطًا"أي: عادلا بخلاف القاسط، فهو الجائر، ولمسلم أيضًا:"إمامًا مقسطًا"، ولفظ البخاري:"حكمًا عدلا".

وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا:"ينزل عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق"وفي الصحيحين عنه، رفعه:"ينزل عيسى، فيقتل الدجال"."فيكسر الصليب"تفريع على عدله، أي: فسبب عدله يكسره حقيقة، أو يبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه،"ويقتل الخنزير"فيبطل دين النصرانية، وفيه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله ونجاسته؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه، لكن في الطبراني الأوسط، بإسناد لا بأس به، عن أبي هريرة: ويقتل الخنزير والقرد، فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير، لأن القرد ليس بنجس العين اتفاقًا، وفيه أيضًا تغيير المنكرات، وكسر آلة الباطل، زاد في رواية لمسلم:"ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاد"."ويضع الجزية"وفي رواية:"ويضع الحرب"، وبقية الحديث في الصحيحين:"ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159] الآية.

قال الحافظ: والمعنى أن الذين يصيرون واحدًا، فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه يكثر المال، فلا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له، فيترك الجزية استغناء عنها.

وقال عياض: يحتمل أن المراد بوضعها تقريرها على الكفار من غير محاباة وتكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي،"و"قال:"أن الصواب في معناه؛ أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، أو""القتل"إن امتنعوا منه.

قال الحافظ: ويؤيده رواية أحمد من وجه آخر، وتكون الدعوى واحدة،"وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل"أي: أعطي"الجزية وجب قبولها، ولم يجز"بالزاي"قتله"لقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} الآية، وفي نسخة: لم يجب بالباء بدل الزاي، وكأنه عبر بها لمطابقة ظاهر الآية، فلا ينافي أنه لا يجوز قتله وعلى قاتله ديته؛ لأن ذلك ثبت بدليل آخر،"ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى عليه الصلاة والسلام حاكمًا بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية"لحديث عبد الله بن مغفل:"ينزل عيسى ابن مريم مصدقًا بمحمد على ملته"رواه الطبراني،"ولا ينزل نبي برسالة مستقلة وشريعة ناسخة"لأن هذه الشريعة لا تنسخ،"بل هو حاكم من حكام هذه الأمة"كقاض بين الخصوم بالملة المحمدية.

"وأما حكم الجزية وما يتعلق بها"من إقرارهم على إبقاء صليبهم وخنزيرهم ونحوهما حيث لم يظهروها،"فليس حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى"فوضعها بعد نزوله من شريعتنا.

"وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بنسخه"بهذا الحديث، كما في عبارة النووي"وليس عيسى هو الناسخ، بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ"، بقوله: ويضع الجزية،"فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية، وهو شرع نبينا صلى الله عليه وسلم"في ذلك الوقت لا قبله،"أشار إليه النووي في شرح مسلم"ولخصه الحافظ بأوجز عبارة، بقوله قال النووي معنى وضع الجزية، مع أنها مشروعة في هذه الشريعة؛ أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى؛ كما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكمها، بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ بقوله هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت