فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 847

وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف المياه، فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وأما نبع الماء"قسيم قوله: أما معجزة انشقاق القمر، بيانًا لتفصيل القسم الثالث، وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته،"الطهور"صفة لازمة، وقال شيخنا: مخصصة"من بين أصابعه"أي أصابع يديه"صلى الله عليه وسلم"كما هو ظاهر الروايات الآتية، واقتصر على بين الأصابع بالنسبة لأغلب الوقائع، أو تجوز بالبينية عما يشمل رءوس الأصابع،"وهو أشرف المياه"على الإطلاق؛ كما قاله البلقيني وغيره.

قال السيوطي:

وأفضل المياه ماء قد نبع ... من بين أصابع النبي المتبع

يليه ماء زمزم فبالكوثر ... فنيل مصر ثم باقي الأنهر

"فقال القرطبي"صاحب المفهم فيه:"قصة نبع الماء"إضافة بيانية، أي القصة التي هي نبع الماء"من بين أصابعه، ق تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن"جمع موطن، المشهد من مشاهد الحرب ومكان الإنسان،"في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي."

وقال عياض: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير والجم الغفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجامع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي في معجزاته.

قال في فتح الباري: فأخذ القرطبي كلام عياض وتصرف فيه، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر عندهم من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى، والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة، ليس كما يفهم من إطلاقهما.

وأما تكثير الماء بأن لمسه بيده، أو تفل فيه، أو أمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته، فجاء من حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث الصدائي عنده، وعن بريح، بضم الموحدة، وتشديد المهملة الصدائي أيضًا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة أو قاربها.

وأما من رواها من أهل القرن الثاني، فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا، وفي الجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى، وهذا ينادي عليه بقلة الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، انتهى."ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني"إسماعيل بن يحيى، بن إسماعيل، بن عمرو، بن إسحاق، الإمام الجليل، صاحب التصانيف، الزاهد، المتقلل من الدنيا، مجاب الدعوة، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه، مات لست بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، ودفن قريبًا من الشافعي، وولد سنة خمس وسبعين ومائة،"أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت"جرت وسالت"منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود"كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} الآية،"بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم"ليس بمعهود؛ كما قال الشاعر:

إن كان موسى سقى الأسباط من حجر ... فإن في الكف معنى ليس في الحجر

ولله در البوصيري حيث قال في اللامية:

ومنبع الماء عذبًا من أصابعه ... وذي أياد عليها قد جرى النيل

"انتهى"كلام القرطبي.

قال الحافظ: وظاهر كلامه أن الماء نبع من بين اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيد قوله في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشيء، فوضع صلى الله عليه وسلم يده عليه، ثم فرق بين أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن المراد أن الماء نبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر وكفه صلى الله عليه وسلم في الماء، فيراه الرائي، نابعًا منه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الإخبار ما يرده، انتهى، ويأتي نحوه في المتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت