فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 847

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)}

وأما قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] ، الآية.

فاعلم أن المفسرين اختلفوا فيمن المخاطب بهذا: فقال قوم المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: المخاطب به غيره.

فأما من قال بالأول فاختلفوا على وجوه.

الأول: أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر والمراد به غيره، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] ، وكقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، وكقوله لعيسى ابن مريم: {قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ومثل هذا معتاد، فإن السلطان إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فأراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه إليهم، بل يوجهه إلى ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم.

الثاني: قال القراء: علم الله تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم غير شاك، ولكن هذا كما يقول الرجل لولد: إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني.

الثالث: أن يقال لضيق الصدر شاك، يقول: إن ضقت ذرعًا بما تعاني من تعنتهم وأداهم فاصبر واسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم، وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر، فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرآن مصدق لما فيه، أو تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام وزيادة تثبيته، أو يكون على سبيل الفرض والتقدير، لا إمكان ووقع الشك له، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية:"والله لا أشك ولا أسال".

وأما الوجه الثاني - وهو أن المخاطب غيره صلى الله عليه وسلم فتقريره: أن الناس كانوا في زمانه فرقًا ثلاثة: المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فاسأل الله أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وهذا مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] ، و {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} [الانشقاق: 6] ، و {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ} [الزمر: 8] فإن المراد"بالإنسان"هنا الجنس، لا إنسان بعينه، فكذا هنا، ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس: 95] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} من القصص فرضًا، {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} التوراة {مِنْ قَبْلِكَ} فإنه ثبات عندهم، يخبرك بصدقه،"الآية"إشارة إلى أن الشبهة في تمامها أيضًا وهو: {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس: 94، 95] ،"فاعلم أن المفسيرن اختلفوا فيمن المخاطب بهذا، فقال قوم: المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم"ولا ضير فيه، لأنه شرط لم يقع نحو: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، أو على سبيل الفرض، وهذا أحسن.

وقال آخرون: المخاطب به غيره، فأما من قال بالأول، فاختلفوا على وجوه: الأول أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، والمراد به غيره"."

قال بكر بن العلاء: ألا تراه يقول: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} ، وهو كان المكذب بلفظ اسم المفعول كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} فطلقوهن لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1] ، الآية، فإن المخاطب بذلك هو، والمراد غيره، لأنه إذا طلق إنما يطلقهن لعدتهن.

وقول البيضاوي: خص النداء وعم الخطاب بالحكم، لأنه إمام أمته، فنداؤه كندائهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة علم وكيف، وفيه {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} فيكون في حقه من تحصيل الحاصل.

ورد شيخنا كلام المصنف لظاهر البيضاوي بأن المراد غيره بخصوصه، فيصدق بما إذا كان المراد هو وغيره، لأنه مع غيره، وغيره بخصوصه لا يليق لما علم، وكقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، أي: يفسد ويسقط عن الاعتبار، ويبطل من حبطت الدابة إذا أفرطت في المرعى حتى ماتت وانتفخت، وجعل هذه الآية مشبهًا بها، لأنها أظهر في التعليق بالمحال، لأن الخطاب فيها للرسل كلهم، إذ أولها {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} ، وأفرد، لأن المراد كل واحد منهم وهم مبرؤن عن الشرك فالمراد أممهم ممن يجوز عليه الشرك تعريضًا وتهييجًا لحميتهم حتى ينتهوا عنه، وكقول لعيسى ابن مريم: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ، صفة لإلهين أو صلة اتخذوني، ومعنى دون المغايرة تنبيهًا على أن عبادة الله مع عبادة غيره كلا عبادة، فمنعبده مع عبادتهما، كأنما عبدهما ولم يعبده، أو القصور، فإنهم لم يعتقدوا استحقاقهما للاستقلال بالعبادة، وغنما زعموا أنها توصل إلى عبادة الله، وكأنه قيل: اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى عبادة الله، قاله البيضاوي، ففي التنظير بهذه الآية شيء، فإنه لم يخاطب عيسى مريدًا غيره، بل توبيخ الكفرة لا خطابهم خصوصًا، وذلك يوم القيامة،"ومثل هذا معتاد"واقع كثيرًا في القرآن، وكلام العرب، وهو باب واسع يسمونه التعريض والتلويح.

وله نكات ومقاصد جليلة، كحمله على الإذعان والقبول وإطفاء نار الغضب والحمية،"فإن السلطان إذا كان له أمير، وكانت تحت راية ذلك الأمير جمع، فأراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص"بها دون الأمير،"فإنه لا يوجه خطابه إليهم، بل يوجهه إلى ذلك الأمير، ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم"فيبادروا بفعل الأمر،"الثاني: قال القراء"لقب ليحيى بن زياد الكوفي، نزيل بغداد، النحوي المشهور، المتوفى سنة سبع ومائتين، لأنه كان يفري الكلام فريًا،"علم الله تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم غير شاكٍ".

قال عياض: احذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك له فيما أوحي إليه، وأنه من البشر، فمثل هذا لا يجوز حمله عليه، بل قد قال ابن عباس وغيره: لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل، ونحوه.

عن ابن جبير والحسن، وحكى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أشك ولا أسأل، وعامة المفسرين على هذا،"ولكن هذا كما يقول الرجل لولده، إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني"في التنظير بهذا نظر، فإنما يقول الرجل ذلك لولده وعبده إذا استشعر منهما نوع تقصير في حقه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا تقصير عنده في حق الله تعالى، تى يخاطبه بما يوهم لو ما حاشاه من ذلك. وقد يجاب بأن التنظير به من حيث إنه يخاطب به مع عمله أنه لا شك عنده من غير ملاحظة لوم على تقصير، وإن كان هو عليه السلام ينسب التقصير لنفسه، بنحو قوله: لا أحصي ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك.

"الثالث: أن يقال لضيق صدرك شاك"فالمعنى أنه"يقول إن ضقت ذرعًا"صدرًا"بما تعاني"تقاسي"من تعنتهم وأداهم، فاصبر واسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم"وقد قال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] ،"وكيفل كان عاقبة أمرهم من النصر"على الكافرين،"فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرآن مصدق لما"أي: المعاني التي اشتمل عليها ما جاء في الكتب، فضمير"فيه"راجع"لما"، وصح ذلك رعاية للفظ ما، وإن كان مدلولها متعددًا"أو تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام"إثارته،"وزيادة تثبيته".

قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن من خالطته شبهة في الدين، ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم،"أو يكون على سبيل الفرض والتقدير"أي: إن فرض وقدر وقوع ذلك منك"لا إمكن وقوع الشك له"لأن هذه الشرطية غير ممكنة،"ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية:"والله لا أشك ولا أسأل"رواه ابن جرير عن قتادة مرسلًا، لكن بدون قسم."

وقيل: المراد قل للشاك إن كنت في شك من ديني، وفي السورة نفسها ما يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} [يونس: 104] .

وقيل: هو تقرير، كقوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ، وقد علم سبحانه أنه لم يقل ذلك.

وقيل: معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينه وعلمًا إلى علمك، ويقينًا إلى يقينك.

وقيل: معناه إن كنت تشك فيما شرفناك وأعطيناك وفصلناك به فسلهم عن صفتك في الكتب، ونشر فضائلك، وقيل: المراد إن كنت في شك من اعتقاد غيرك فيما أنزلناه، حكاه في الشفاء.

"وأما الوجه الثاني: وهو أن المخاطب غيره صلى الله عليه وسلم فتقريره أن الناس كانوا في زمانه فرقًا ثلاثة"فريق منهم"المصدقون به"وفريق منهم"المكذبون له"وفريق منهم"المتوقفون في أمره، الشاكون فيه"صفة كاشفة لمعنى المتوقفون،"فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب، فقال: فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فأسال أهل الكتاب ليدلوك على صحه نبوته، فليس هو مخاطبًا أصلًا،"وهذا مثل قوله: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] ، حتى عصيته {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} [الانشقاق: 6] جاهد في عملك إلى لقاء ربك، وهو الموت، ومثل قوله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ} [الزمر: 8] الآية، دعانا، وفي نسخة: وإذا مس الإنسان ضر، بالواو،

وهي آية قبل هذه في سورة الزمر، جواب شرطها: دعا ربه منيبًا إليه،"فإن المراد بالإنسان هنا"في الآيات الثلاث"الجنس لا إنسان بعينه، فكذا هنا"في {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} خطاب لكل من يصح أن يحبط عمله وأن يشرك لا لمخاطب بعينه،"ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم، حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني، وهم المكذبون، فقال: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس: 95] الآية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت