فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 847

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ(35)}

وأما قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] .

فقال القاضي عياض: لا يلتفت إلى قول من قال: لا تكونن ممن يجهل أن الله تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله تعالى، وذلك لا يجوز على الأنبياء، والمقصود وعظمهم أن لا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين، وليس في الآية دليل على كونه على تلك الصفة التي نهاه الله على الكون عليها، فأمره الله تعالى بالتزام الصبر على إعراض قومه، ولا تحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر. حكاه أبو بكر بن فورك.

وقيل: معنى الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم لا له، أي فلا تكونا من الجاهلين، حكاه أبو محمد مكي، قال: ومثله في القرآن كثير، وكذلك قوله: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 116] يضلوك عن سبيل الله فالمراد غيره، كما قال تعالى: {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 149] ، وقوله تعالى: {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24] و {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وما أشبه ذلك فالمراد غيره، وأن هذه حال من أشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه هذا، هذا والله ينهاه عما شاء ويأمره بما يشاء، كما قال تعالى له: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52] وما طردهم عليه السلام وما كان من الظالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ} أي: جعل الناس كلهم مجتمعين، متفقين"على الهدى"بهدايتهم للعقائد الحقة واتباع الشريعة اللازمة، فلا يضل أحد منهم عن الطريق المستقيم"فلا تكونن من الجاهلين" [الأنعام: 35] ، فنهيه عن ذلك يوهم أنه لم يحط به وهو منزه عنه،"فقال القاضي عياض: لا يلتفت"بالبناء للمجهول، أي: لا يتوجه التفات نظر"إلى قول من قال"من المفسرين:"لا تكونن ممن يجهل أن الله تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى"، بإسناد الجهل بمشيئة الله إليه، إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله تعالى"، وهي قدرته وعلمه،"وذلك لا يجوز على الأنبياء"لعلمهم الله وصفاته"والمقصود"أي: المعنى المراد"وعظمهم"أي: الأمة، أي: إرشادهم وتنبيهم على"أن لا يشتبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين"أي: لا يتصفوا بصفاتهم من عدم الصبر والحرص على سرعة المراد، كما هو شأن الجهلة،"وليس في الآية دليل على كونه على تلك الصفة التي نهاه الله على الكون عليها"وعليه، فالخطاب له والمراد غيره،"فأمره الله تعالى بالتزام الصبر على إعراض قومه"بقوله: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} [الأنعام: 35] ، المختومة بالنهي، فالمراد بالأمر ما يلزم النهي، وقد أمر بالصبر صريحًا في آيات، كقوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] الآية،"ولا تحرج"من الحرج، وهو ضيق الصدر"عند ذلك"أي: عند إعراضهم، عنه هكذا ذبطه شراح الشفاء ويقع محرفًا في نسخ المصنف ولا يرج عن ذلك من الخروج فمشى عليه الشارح، فقال: اي: والتزام عدم خروجه عن ذلك،"فيقارب"حاله"حال الجاهل بشدة التحسر"التأسف والندم بسبب إعراضهم"حكاه أبو بكر بن فورك""بضم الفاء"، العلامة الشهير. تقدم غير مرة."

"وقيل: معنى الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم لا له"فهو تعريض،"أي: فلا تكونوا من الجاهلين"أي: ممن اتصف بصفاتهم،"حكاه أبو محمد"وفي نسخة أبو بكر، وهي خطأ، فكنيته أبو محمد "مكي""بالميم" ابن أبي طالب، تقدم أيضًا.

قال مكي:"ومثله في القرآن كثيرًا"يخاطب المصطفى، والمراد أمته،"وكذلك قوله: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} وهم الكفار بمافقة ما هم عليه {يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} مع أنه علم أنه لا يطيعهم،"فالمراد غيره"وإن كان الخطاب له، فهو تعريض،"كما قال تعالى: خطابًا لغيره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 149] فهو يؤيد أن المراد بالخطاب في تلك الآية غيره، لأن القرآن يفسر بعضه، وقوله تعالى: {إِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ} بربط {عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24] ،وقد علم أنه لا يشاء ذلك، فالمراد غيره.

والتنظير بهذه بناءً على أن المراد الربط المذموم، أما على أن المعنى يربط بالصبر على أذاهم، وبالصبر على قولهم: إفتراه وغيره، وقد فعل، فليست مما الكلام فيه {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، وقد علم سبحانه انه لا يشرك، فالمراد غيره،"وما أشبه ذلك"، كقوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 106] ، فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين، وقوله: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ} [الإسراء: 75] وقوله: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} "فالمراد غيره"تعريضًا وإيقاظًا،"وأن هذه حال من أشرك"بالله لا حاله"والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه هذا"فلابد من تأويله"هذا، والله"سبحانه"ينهاه عما شاء"وإن لم يمكن وقوعه منه،"ويأمره بما شاء"وإن استحال عليه تركه نحو اتق الله أن يعامل نبيه بما يمتنع أن يعامل به غيره"كما قال تعالى له: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} ، أي: يعبدونه {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} . [الأنعام: 52] ، وما كان"طردهم عليه السلام"عن مجلسه،"وما كان من الظالمين"أي: ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك."

روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، وأنا وعبد الله بن مسعود وأربعة، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطردهم، فإن نستحي أن نكون تبعًا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَلَا تَطْرُدِ} الآية إلى قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] .

وفي حديث ابن مسعود عند أحمد، وغيره أن الاربعة خباب وصهيب وبلال وعمار، وإنما هم بذلك رجاء إسلام قومه، مع أن ذلك لا يضر أصحابه لعلمه بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت