وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حنين الجذع، وقد مرت قصته.
وحكى الإمام الرازي - في تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصلاة والسلام بالحجر رأى على كتفيه ثعابين فانصرف مرعوبًا.
وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونًا وقال:"انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم.
وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا, فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشي كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح.
وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام منقلب العصا حية"وتقدم ذكر ذلك قريبًا أول المعجزات وأعاد الشارح نقله هنا"غير ناطقة"لعل ذكره مع أنه لازم للحية، لبيان التفاضل بين المعجزتين، وهو أن العصا لم تنطق لموسى، بخلاف الجذع، فنطق للمصطفى بكلام حتى سمعه من يليه زيادة على الحنين، كما مر،"فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حنين الجذع، وقد مرت قصته"قريبًا."
"وحكى الإمام الرازي في تفسيره وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصلاة والسلام بالحجر رأى على كتفيه"بالتثنية، أي: النبي عليه السلام، وفي نسخة: كتفه بالإفراد على إرادة الجنس"ثعابين، فانصرف مرعوبًا"كما انصرف فرعون مرعوبًا من العصا، ولما كان أشد الفراعنة رأى ثعبانين.
"وأما ما أعطي موسى عليه الصلاة والسلام أيضًا من اليد البيضاء"اليمنى، بمعنى الكف، كما قال تعالى: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] الآية، فأدخلها تحت جناحه، أي: جنبه الأيسر تحت الإبط، أو في جيبه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية من غير سوء، أي: برص،"وكان بياضها يغشى البصر"وغلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة، أي: السمرة:"فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء، وبطون الأمهات، من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه"ثم منه إلى آمنة أمه، وكان بينا ظاهرًا في جباههم،"وأعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بن النعان"الأوسي، البدري،"والحال أنه"قد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة"فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعولة، أي: ممطور فيها، لوجود الهاء، إذ لا يقال ممطورة فيها، قال الكرماني."عرجونًا"أصل العذق الذي يعوج، وتقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا، سمي بذلك لانعراجه وانعطافه، ونونه زائدة، وقال:"انطلق به، فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا"من الأذرع،"ومن خلفك عشرًا"من الأذرع، هذا هو المتبادر، ومثله لا ينظر فيه، وذلك أعظم من اليد، فإن خلق الضوء في العرجون على هذا الوجه أعظم من البياض الذي في اليد،"فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا، فاضربه حتى يخرج، فإنه الشيطان"على غير صورته الأصلية، فلا ينافيه قوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} الآية، قال البيضاوي: ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا،"فانطلق، فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، ووجد السواد، وضربه حتى خرج، رواه أبو نعيم"."
وأخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: هاجت السماء، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فبرقت فرأى قتادة بن النعمان، فقال:"ما السري يا قتادة"؟ قال: يا رسول الله! إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها، قال:"فإذا صليت فأت"فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فقال:"خذ هذا، فسيضيء لك، فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم، فإنه شيطان"وأخرج هذه القصة الطبراني، وقال: إنه كان في صورة قنفذ.
"وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس، قال: كان عباد"بفتح العين، وشد الموحدة"ابن بشر"بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، ووقع للقابسي بشير، بفتح أوله، وكسر ثانيه، وزيادة تحتية، وهو غلط نبه عليه في الفتح ابن وقش، بفتح الواو، والقاف، ومعجمة الأنصاري من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا، وأبلى يوم اليمامة بلاء حسنًا، فاستشهد بها،"وأسيد"بضم الهمزة، وفتح السين،"ابن حضير"بضم المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ابن سماك الأنصاري، الأشهلي، صحابي جليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين، روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم عن عائشة، قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضر، وعباد بن بشر."عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة"ولعبد الرزاق، تحدثا عنده"حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها"إكرامًا لهما ببركة نبيهما، آية له صلى لله عليه وسلم، إذ خص بعض أتباعه بهذه الكرامة عند الاحتياج إلى النور وإظهار السر، قوله صلى الله عليه وسلم:"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". رواه أبو داود وغيره وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك،"حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه"أي: مقصده الذي لا يحتاج بعد الوصول إلى ما يرشده، لكن الذي في فتح الباري والمصنف وغيرهما أهله بدل هديه،"ورواه البخاري بنحوه في الصحيح"من رواية قتادة عن أنس: أن رجلين خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نور بين أيديهما يضيء حتى تفرقا، فتفرق النور معهما لفظ المناقب، ولفظه في الصلاة وعلامات النبوة: ومعها مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، قال البخاري في المناقب: وقال معمر عن ثابت عن أنس، أن أسيد بن حضير، ورجلا من الأنصار. وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس، قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند الني صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: رواية معمر، وصلها عبد الرزاق عنه ومن طريقه الإسماعيلي بلفظ فذكره أعني الحافظ مثل سياق المصنف، قال: ورواية حماد وصلها أحمد والحاكم بلفظ: إن أسيد بن حضير، وعبادًا كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطرق، أضاءت عصا الآخر.
"وأخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة"بحاء مهملة، ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن سعد"الأسلمي"المدني، كنيته أبو صالح، وقيل: أبو محمد، صحابي جليل، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، روى عنه أبو مراوح، مات سنة إحدى وستين، وله إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون له في مسلم، والترمذي، والنسائي، وعلق له البخاري،"قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم"أي: ركابهم،"وما هلك"أي: أشرف على الهلاك"منهم"بسبب تفرقهم لما أصابهم من شدة الظلمة، وقد ساقه الشامي بلفظ: وما سقط من متاعهم، وعزاه لمن عزاه له المصنف، فلعلهما روايتان،"وإن أصابعي لتنير"بضم التاء من أنار، أي: تضيء.