فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 847

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(19)}

وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] .

خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول. بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال تعالى: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} أي من بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله وعيسى ابن مريم.

وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي وقتادة في رواية عنه: ستمائة سنة.

ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون سنة، وقال الضحاك: أربعمائة سنة ويضع وثلاثون سنة، وعن الشعبي - فيما ذكره ابن عساكر- تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة.

قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة، قال: وكانت هي الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد آخر النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا:"أنا أولى الناس بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي"وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القاضي وغيره.

والمقصود: أن الله بعث محمدًا على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم والنفع به أعم.

وفي حديث عند الإمام أحمد مرفوعًا:"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل"وفي لفظ مسلم:"من أهل الكتاب"فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فهدى به الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء، والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} اليهود والنصارى {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ} الدين، وحذف لظهوره أو ما كتمتم من الكتاب، كآية الرجم، وصفته صلى الله عليه وسلم، وحذف لتقدم ذكره، ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان، والجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبينًا {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُل} ، متعلق بجاء، أي: على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي، فتعلق على فترة بجاءكم تعلق الظرفية، كقوله: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} كراهة أن تقولوا ذلك، وتعتذروا به، فهو في موقع المفعول له، {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} متعلق بمحذوف، أي: لا تعتذروا بما جاءنا بأن تقولوا ذلك، قاله الكشاف."

قال التفتازاني: أي: بمحذوف تفصح عنه الفاء، وتفيد بيان سببه، كالتي تذكر بعد الأوامر والنواهي بيانًا لسبب الطلب، لكن كمال حسنها وفصاحتها أن تكون مبنية على التقدير، منبئة عن المحذوف، بخلاف قولك: أعبد ربك، فالعبادة حق له، ولكون مبنى الفاء الفصيحة على الحذف اللازم، بحيث لو ذكر لم يكن بتلك الفصاحة، تختلف العبارة في تقدير المحذوف، فتارة أمرًا أو نهيًا، كما في هذه الآية، وتارة شرطًا، كقوله: {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْث} [الروم: 56] ، وتارة معطوفًا عليه، كقوله: فانفجرت {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [المائدة: 19] فيقدر على الإرسال تترًا، كما فعل بين موسى وعيسى إذا كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وعلى الإرسال على الفترة، كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام،"خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول"بيان لخاتم النبيين،"بل هو المعقب لجميعهم"، أي: الجائي بعدهم،"ولهذا قال تعالى: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُل} ، أي: من بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم"والفترة لغة من فتر الشيء إذا سكنت حدته، سميت المدة التي بين الأنبياء فترة، الفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

"وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي""بفتح النون وإسكان الهاء"أبو عثمان عبد الرحمن بن مل"بلام ثقيلة، والميم مثلثة"، مشهور بكنيته، من كبار التابعين، مخضرم، ثقة، عابد، روى له الجميع، مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر،"وقتادة"بن دعامة الأكمة التابعي، المشهور"في رواية عنه ستمائة سنةن ورواه البخاري"من حديث أبي عثمان النهدي"عن سلمان الفارسي"قال: فترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة.

قال الحافظ: أي: المدة التي لم يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها نبي يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.

"وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون سنة"أخرجه عبد الرزاق بن معمر عنه، لكن لم يقل: وستون سنة، كما في الفتح، قال: وعن الكلبي: خمسمائة وأربعون،"وقال الضحاك: أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة. وعن الشعبي"عامر بن شراحيل،"فيما ذكره ابن عساكر"، عنه:"تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة".

"قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة"خلافًا لنقل ابن الجوزي الإتفاق على ذلك، فإنه تعقب بوجود الخلاف،"قال: وكانت هي الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد آخر النبيين من بني آدم"، بيان للواقع،"على الإطلاق، كما في البخاري"في أحاديث الأنبياء، وكذا مسلم، كلاهما"من حديث أبي هريرة، مرفوعًا"بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أنا أولى الناس بابن مريم".

وفي رواية للبخاري:"بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة"، ولفظ مسلم:"في الأولى، والآخرة"، قال الحافظ: أي: أخصهم به، وأقربهم إليه؛ لأنه بشر بأنه يأي من بعده، فالأولوية من جهعة قرب العهد، كما أنه أولى الناس إبراهيم من جهة قوة الاقتداء، زاد السيوطي: ولأنه أبوه ودعا به، وأشبه الناس به خلقًا وملة. انتهى.

وقول الكرماني: التوفيق بين الحديث، وبين قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} [الأعراف: 68] ، إن هذا الحديث وارد في كونه صلى الله عليه وسلم متبوعًا، والآية واردة في كونه تابعًا، رده الحافظ؛ بأن مساق الحديث كمساق الآية، فلا دليل على هذه التفرقة، والحق أن لا منافاة ليحتاج إلى الجمع، فهو أولى بكل منهما من جهة، وأسقط المصنف من هذه الرواية عند البخاري ومسلم، والأنبياء، أولاد علات؛"لأنه ليس بيني وبينه نبي"لم تقع لفظه؛ لأنه في الصحيحين، ولذا قال السيوطي: ليس .. إلخ، بيان لجهة الأولوية.

وقال الحافظ: قوله: ليس بيني وبينه نبي، هذا أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه، وتبعه المصنف.

وفي رواية لهما: والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، والعلات:"بفتح المهملة"الضرائر، وأصله أن من تزوج امرأة، ثم أخرى، كأنه عل منها بعدما كان ناهلًا من الأخرى، والعلل الشرب بعد الشرب، وأولاد العلات الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى، فقوله: أمهاتهم إلخ، من باب التفسير كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19] ، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلف فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة.

"وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له: خالد بن سنان"العبسي،"كما حكاه القاضي"عياض، وفي نسخة: القضاعي"وغيره".

ومن فتح الباري: استدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر؛ لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية، المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وإن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى، والجواب أن هذا احديث يضعف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة، وإنما بعث بعده بتقرير شريعة عيسى.

"والمقصود أن الله بعث محمدًا على فترة من الرسل، وطموس"مصدر طمس، محى ودرس"من السبل"أي: ذهاب الشرائع وعدم العلم بشيء منها،"وتغير الأديان"بتحريف ما يدل عليها وتبديله،"وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان"جمع صليب للنصارى،"فكانت النعمة به أتم، والنفع به أعم".

"وفي حديث عند الإمام أحمد، مرفوعًا:"إن الله نظر إلى أهل الأرض"نظر غضب،"فمقتهم"أبغضهم أشد البغض، لقبح ما ارتكبوه، والمراد من هذا ونحوه غايته"عجمهم""بفتحتين"، وفي لغة بضم فسكون، خلاف العرب،"وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل"فلم يمقتهم لتمسكهم بالحق."وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب"بدل قوله: من بني إسرائيل، ومعناهما واحدًا،"فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهدى به الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات"الكفر"إلى النور"الإيمان"وتركهم على المحجة""بفتح الميم""البيضاء"، أي: الطريقة الواضحة بنيانه لهم الحق من الباطل،"والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه"."

قال الإمام الرازي: كان العالم مملوء من الكفر والضلال، أما اليهود، فكانوا في المذاهب الباطلة من التشبيه والإفتراء على الأنبياء وتحريف التوراة، وأما النصارى، فقالوا بالتثليث، والابن والأب والحلول والاتحاد، وأما المجوس، فأثبتوا الهين، وأما العرب، فانهمكوا في عبادة الأصنام والفساد في الأرض، فلما بعث صلى الله عليه وسلم انقلت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور، وانطلقت الألسنة بتوحيد الله، فاستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت