فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 847

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65)}

وقال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه} [مريم: 65] .

فأمره تعالى عليه السلام بالعبادات والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ.

فإن قلت: لم لم يقل: واصطبر على عبادته، بل قال: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} ؟

فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القِرْن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك أي: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه. والمعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازي وكذا البيضاوي.

وقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] .

فأول درجات السير إلى الله تعالى، عبودية الله، وآخرها التوكل عليه، وإذا كان العبد لا يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إلي ما دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه ألبتة، ولو أتى بأعمال الثقلين جميعا، وكلما كان العبد في الله تعالى أقرب كان جهاده في الله أعظم، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق اجتهادا وقياما بوظائف العبادة، ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله تعالى. وتأمل أصحابه رضي الله عنهم فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم واجتهادهم.

ولا تلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال: القرب الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل زاعما بذلك سقوط التكليف عنه, وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان, فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال حبة ما دام قادرا عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وقال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي اصبر عليها،"فأمره تعالى عليه السلام بالعبادات والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ"كأنه قصر المشقة على ذلك، لأنه لا يشق عليه غيره من العبادات، وإن تورمت قدماه من القيام."

"فإن قلت: لم لم يقل واصطبر على عبادته"مع أن المعنى على ذلك،"بل قال: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} ، قلت:"فالجواب"عبر بذلك،"لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن"،"بكسر القاف وسكون الراء"المقاوم في علم، أو قتال، أو غير ذلك"في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه، والمعنى"هن"أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها، قاله الفخر الرازي"وحاصله: أن اللام للتعليل ومفعول اصطبر محذوف، أي اصطبر على المكاره والمشاق لأجل العبادة،"وكذا البيضاوي"بلفظ: إنما عدي"باللام"لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق، كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك."

"وقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي علم ما غاب فيهما، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ} "بالبناء للفاعل"يعود"وللمفعول"يرد {الْأَمْرُ كُلُّهُ} فينتقم ممن عصى، {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} ثق به، فإنه كافيك،"فأول درجات السير إلى الله تعالى"أي السعي في طلب الوصول إلى القرب منه عز وجل"عبودية الله"بالاجتهاد فيها،"وآخرها التوكل عليه"بأن يفوض جميع أموره إليه مخلصا، بحيث لا يعتمد على غيره في أمر ما، حتى لو سأل غيره في شيء لاحظ أن المسئول لا فعل له، وأن الله هو المعطي، فإن أراد وصول شيء للعبد على يد بعض خلقه ألهمه فعله وأقدره عليه"وإذا كان العبد لا يزال مسافرا"أي مشغولا بالعبادة"إلى"لقاء"ربه"ففيه استعارة تصريحية تبعية، شبه الاشتغال بالطاعة بسفر إنسان إلى مقصد يريده، واشتق منه الوصف بمسافر"لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة"أي ما يوصله إليها، كاجتهاده في الطاعات وكثرة النوافل، فالعابد كأنه جعل طاعته مودية للوصول إلى الله، كطعام المسافر يوصله إلى مقصده،"لا يستغنى عنه ألبتة"،"بقطع الهمزة"،"ولو أتى بأعمال الثقلين"الإنس والجن"جميعا، وكلما كان العبد إلى الله تعالى أقرب"قربا معنويا،"كان جهاده في الله أعظم"من غيره،"قال تعالى: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي لله، ومن أجله أعداء الله الظاهرة كأهل الزيغ، والباطنة كالقوى والنفس.

روى البيهقي في الزهد، وضعف إسناده عن جابر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال:"قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال:"مجاهدة العبد نفسه"."حق جهاده"أي جهادا فيه، حقا خالصا لوجهه، فعكس، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة، كقولك: هو حق عالم، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا، أو لأنه يختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله ومن أجله، قاله البيضاوي تبعا للزمخشري.

قال الطيبي: يعني أن أصل المعنى: جاهدوا في الله جهادا حقا، فهو يفيد أن هناك جهادا واجبا، والمطلوب منهم الإتيان به، فإذا عكس وأضيفت الصفة إلى الموصوف بعد الإضافة إلى الله تعالى، أفاد إثبات جهاد مختص بالله، والمطلوب القيام بواجبه وشرائطه على وجه التمام بقدر التوسع والطاقة،"ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق اجتهادا وقياما بوظائف العبادة ومحافظة عليها، إلى أن توفاه الله تعالى وتأمل أصحابه"أي أحوالهم"رضي الله عنهم، فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب"المعنوي من الله"مقاما، عظم جهادهم"لأنفسهم ولأعداء الله.

"واجتهادهم"في الطاعات،"ولا تلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف، حيث قال: القرب الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة، ويريح الجسد والجوارح من كد"أي تعب"العمل، زاعما بذلك سقوط التكليف عنه، وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية، وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس"أكاذيبها"وخدع الشيطان"ما يخدع به الإنسان ليضله،"فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال حبة ما دام قادرا عليه"بإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت