فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 847

(فصل)

قال بعض العلماء: إن الذي أورده - عليه الصلاة والسلام- على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلامٍ مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص, ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، فدلَّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته, وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح.

وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان - صلى الله عليه وسلم- من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى, بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علَّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى.

وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة، صارخًا بهم على رءوس الأشهاد"فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال - وكان بما ألقى عليهم خبيرًا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"قال بعض العلماء: الذي أورده - عليه الصلاة والسلام- على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله، أعجب في الآية"العلامة،"وأوضح في الدلالة على ما ادعاه من الرسالة"من إحياء الموتى"لعيسى وإبراء الأكمه"الذي ولد ممسوح العين،"والأبرص"من

به بياض في ظاهر البدن بفساد مزاج، كما في القاموس، فقول من قال: هو الذي بيده بياض، مثال لا قيد، وخُصَّا لأنهما داء إعياء، وكان بعث عيسى في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء بشرط الإيمان.

روى ابن عساكر عن وهب: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى والزمنى والعميان، والمجاني وغيرهم: اللهمَّ أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء، وجبار من في الأرض, لا جبار فيهما غيرك، وأنت ملك من في السماء، وملك من في الأرض، لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم، إنك على كل شيء قدير.

قال وهب: هذا للفزع والمجنون يكتب ويسقى ماءه يبرأ إن شاء الله تعالى؛"لأنه أتى أهل البلاغة"وهي ملكة يبلغ بها المتكلم في تأدية المعاني حدًّا يؤذن بتوفية خاصة كل تركيب حقها, وبقية علوم العرب الشعر، وهو كلام موزون مقفَّى، مراد به به الوزن والخبر، وهو معرفة الأسماء، والإنساب، والأيام؛ إذ كانوا بمكان من ذلك, والكهانة وهي معاناة الجنّ وادعاء معرفة الأسرار، فأنزل الله القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول، من أجل الفصاحة والإيجاز، والبلاغة الخارجة عن نوعه.

"وأرباب الفصاحة ورؤساء"جمع رئيس، كشريف وشرفاء، وزنًا ومعنًى."البيان"الإفصاح مع ذكاء"والمتقدمين في اللسن"بفتح اللام والمهملة ونون: الفصاحة،"بكلام"متعلق بقوله: أتى"مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم كان لم يكونوا يطمعون فيه"هذا واضح.

وأما قوله:"ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه"، ففيه نظر، فقد ذكر أهل التفسير أن عيسى بُعِثَ في زمن الطب، ومن جملته تعاطي علم إبراء الأكمه والأبرص، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح، والبلاغة والخطابة،"بفتح الخاء المعجمة: إنشاء الكلام في المحافل، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقةً، فيأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديها في المقامات إلى آخر ما طول به في الشفاء في صفة بلاغتهم وفصاحتهم،"فدلَّ على أنَّ العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح، وهو باقٍ دون غيره من المعجزات: ومنه تستنبط الأحكام الشرعية والعلوم العقلية، ولم تستنبط من معجز سواه، ولذا قيل: معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلّا من حضرها، ومعجزة القرآن باقية إلى يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت