فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 847

{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(39)}

(فصل: من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -)

ومنها أنه سيد ولد آدم، رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة"، وعند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر".

وإنما قال ذلك إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله عنده، وإعلامًا لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله:"ولا فخر"أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ومنها: أنه سيد ولد آدم"بضم الواو، وكسرها جمع ولد بفتحها،"رواه مسلم"في المناقب، وأبو داود في السنة "من حديث أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة"خصه لأنه يوم مجموع له الناس فيه من سؤدده لكل أحد عيانًا، وصف نفسه بالسؤدد المطلق المفيد للعموم في المقام الخطابي على ما تقرر في علم المعاني، فيفيد تفوقه على جميع ولد آدم حتى أولي العزم من الرسل واحتياجهم إليه كيف لا هو واسطة كل فيض، وتخصيص ولد آدم ليس للاحتراز فهو أفضل حتى من الملائكة إجماعًا؛ كما حكاه الرازي وغيره، ولأن الآدمي أفضل من الملك وتتمة هذا الحديث في مسلم وأبي داود: "وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع"."

"وعند الترمذي"في المناقب، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، والإمام أحمد"من حديث أبي سعيد الخدري"رفعه:"أنا سيد ولد آدم"دخل آدم لأن في ولده من هو أفضل منه كإبراهيم"يوم القيامة ولا فخر"أي: أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، أي: لا أقوله تكبرًا على الناس وتعاظمًا وإن كان فيه فخر الدارين، فهو من قبيل قول سليمان: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} الآية, وقيل غير ذلك،"وبيدي لواء الحمد"بالكسر والمد، علمه، والعلم في العرصات مقامات لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلى مقامات الخير مقامات الحمد، فلما كان أعظم الخلائق أعطي أعظم الألوية، وهو لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون، فهو حقيقي وعند الله علم حقيقته.

وأما ما روي من صفته فموضوع بين الوضع، كما أفاده المصنف في المقصد الأخير، فلا وجه لعدول الطيبي ونحوه عن الحقيقة، وحمله على انفراده بالحمد، وشهرته به على رءوس الخلائق، وبقية هذا الحديث عند الترمذي ومن معه:"وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر"، وإنما قال ذلك"كما قال ابن الأثير في النهاية:"إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد وتحدثًا بنعمة الله عنده"امتثالا لقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الآية،"إعلامًا لأمته"فهو من البيان الذي يجب عليه تبليغه إليهم؛"ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه"بفتح الجيم: ما يتسبب عن الشيء فهو تفسير لحسبه، والمعنى: ليكون على قدر ما علموه من فضله؛ بأن يكون إيمانًا تامًا لا شبهة فيه، لأنهم حيث علموا كمال فضله، استحق أن يعظموه ويعتقدوا فيه الكمال اللائق بمن قام به هذا الفضل،"ولهذا أتبعه بقوله:"ولا فخر"، أي: إن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل"بكسر، ففتح، أي: جهة"نفسي ولا بلغتها بقوتي"إذ ليست في طوق البشر،"فليس لي أن أفتخر بها"وإنما أفتخر بمن أعطانيها، وأما خبر:"لا تفضلوا بين الأنبياء"فمعناه تفضيل مفاخرة، وهو ادعاء العظم والمباهاة، أو في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها. وإنما التفضيل بنحو الخصائص، ولا بد من اعتقاده: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، وقيل غير ذلك."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت