(فصل)
ولمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام علامات:
أعظمها الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته، والوقوف عندما حد لنا من أحكام شريعته.
قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، فجعل متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم آية محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول محبة الله تعالى إياه، وقد قال الحكيم - وهو محمود الوراق- كما أفاده المحاسبي في كتاب"القصد والرجوع":
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وهذه المحبة تنشأ من مطالعة العبد منة الله عليه من نعمه الظاهرة والباطنة، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة، ومن أعظم مطالعه منة الله تعالى على عبده منه تأهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم، وأصل هذا نور يقذفه الله تعالى في قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى في نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه؛ لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت الروح حينئذٍ بين الهيئة والأنس إلى الحبيب الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ولمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام علامات"دالة عليها"أعظمها الافتداء به": اتباعه"واستعمال سنته"، أي: طريقته، فعطف"وسلوك طريقته"تفسيري وكذا"والاهتداء بديه وسيرته"، ولا ضير في ذلك؛ لأن المقام أطناب، وسنته شاملة للتأسي به، في الاقتداء به في الشدائد والحروب وغيرهما، وليس مخصوصًا بالعبادات التي سنها،"والوقوف عندما حد"، أي قدر"لنا من أحكام شريعته"سميت الأحكام حدًّا، لمنعها عن الإقدام على ما يخالفها من قول أو فعل أو عزم، فالحد لغة المنع، فإذا أمر أو نهى، فقد منع من ضده.
"قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] "فجعل متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم آية"، أي: علامة"محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن
متابعة الرسول محبة الله تعالى إياه"وغفرانه، وأشار بحسن إلى أن مجرد الاتباع لا يكون علامة إلا إذا كان على أكمل الوجوه، بحيث يتحقق فيه معنى حديث:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه"إلخ. ن"
"وقد قال الحكيم": الذي ينطق بالحكمة،"وهو محمود"بن الحسن"الوراق، كما أفاده الحارث بن أسد"المحاسبي"بكسر السين لمحاسبته نفسه، أو لغير ذلك، مر ضبطه وبعض ترجمته قريبًا جدًّا"في كتاب القصد والرجوع"، أحد تصانيفه، وهي نحو مائتين، وقال غيره إنه لمنصور الفقيه، بليغ، كان في أول الدولة العباسية:"
"تعصي الإله وأنت تظهر حبه، هذا لعمري"أي: حياتي"في القياس بديع": غريب عجيب، مخالف لأنواع القياس"لو كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحب"بكسر الهمزة لأنها تعليلية"لمن يحب مطيع"لا يعصيه أصلًا، ويقع في بعض النسخ بيت ثالث، وهو هذا:
في كل يوم يبتديك بنعمة ... منه وأنت لشكر ذاك تضيع
بضم الفوقية من أضاع، كذا إذا أهمله، وأكثر النسخ، كما في الشفاء بدون هذا الثلاث،"وهذه المحبة تنشأ من مطالعة العبد"أي: نظره"منة الله": نعمه التي أنعم بها"عليه"ومعرفة قدرها، وأنها لا تكون إلا منه"من نعمه الظاهرة والباطنة"بيان لمنة الله تعالى"فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة، ومن أعظم مطالعة منة الله تعالى على عبده، منة"تمييز"تأهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم، وأصل هذا نور يقذفه الله تعالى في قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرق له ذاته، فرأى في نفسه"أمرًا عظيمًا، تقصر عنه العبارة""و"رأى فيما أهلت له من الكمالات والمحاسن، ما لا يمكنه التعبير عنه، فالمفعول محذوف فيهما،"فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت"، انكشفت"عنه ظلمات نفسه وطبعه؛ لأن النور
والظلمة لا يجتمعان"لا يدخل أحدهما على الآخر"إلا ويطرح"يزيل ويذهب"أحدهما الآخر، فوقعت الروح حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول"، يتنازعه كل من الهيئة والأنس، ويحتمل تعلقه بوقعت، وبين الهيبة والأنس حال، يعني أنه وقع بين أمرين متضادين، فالهيبة تقتضي الفزع والخوف ممن يهابه، والإنس يقتضي انشراح النفس وانبساطها ممن تأنس به،"