(فصل)
وفي حديث أبي سعيد قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني، زاد الأمور في روايته: ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله.
وفي حديث مالك بن صعصعة:"ولما جاوزته - بقي موسى- يبكي، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي".
ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان اسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا - صلى الله عليه وسلم- مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا - صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ما يبكيك؟ قال:"هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباه الرحماء"، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وفي حديث أبي سعيد"عند البيهقي وغيره،"قال موسى: تزعم بنو إسرائيل إني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني"، وأخرج البزار، والبيهقي وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.
"زاد"سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية،"الأموي"بفتح الهمزة، على غير قياس، وضمها على القياس وهو الأشهر عندهم، كما في المصباح نسبة لجده الأعلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجزم الجوهري بالفتح، ثم قال: وربما ضموا"في روايته"لحديث المعراج في مغازيه،"ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله"، ومعلوم أن هذا من الغبطة لا الحسد، معاذ الله.
"وفي حديث مالك بن صعصعة:"ولما جاوزته بقي موسى يبكي، فنودي"لفظ الحديث، كما مر: فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك"؟، وكذا هو لفظ البخاري في المعراج، وبدء الخلق وكذا لفظ مسلم وغيره،"ما يبكيك"؟، قال": قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن قائل ذلك له الباري تبارك وتعالى، يدل على هذا قوله في الجواب،"رب هذا غلام بعثته من بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي"، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه مر بموسى عليه السلام يرفع صوته، فيقول:"أكرمته وفضلته، فقال جبريل: هذا موسى قلت: من يعاتب؟ قال: يعاتب ربه، قلت: ويرفع صوته على ربه؟، قال: إن الله قد عرف له حدته"."
قال العلماء:"ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله"، مفعول مطلق حذف عامله، أي: أعوذ، أي: أعتصم بالله معاذا من توهم أن بكاءه حسدًا،"فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان آسفًا على ما فاته من الأجر."
الذي يترتب عليه رفع الدرحات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من تبعه"، من غير أن ينقص من أجورهم شيء،"ولهذا كان من أتبعه في العدد دون من أتبع نبينا - صلى الله عليه وسلم- مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة، وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والراحمة لأمتهم وركبهم"، أي: ركب بنيتهم في أصل خلقتهم، مجبولة"على ذلك"، حتى كأنهم خلوقا من الرأفة والرحمة،"وقد بكى نبينا فقيل له: ما يبكيك"؟."
روى الشيخان عن أسامة: أرسلت بنت النبي - صلى الله عليه وسلم؛ أن ابني قد احتضر، فأشهدنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول:"إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال: فدفع إليه الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟،"قال:"هذا رحمة"جعلها الله في قلوب عباده،"وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"، روي بالنصب مفعول يرحم، على أن ما في إنما كافة، أو أداة حصر، وبالرفع خبر أن على أنها موصولة بمعنى الذين، والرحماء جمع رحيم من صيغ المبالغة، فمقتضاه أن رحمة الله تختص بالمتصف بالرحمة الكاملة، لخلاف من فيه رحمة ما.
لكن قضية خبر أبي داود الراحمون يرحمهم الله، شموله له، ورجح، وإنما بولغ في الأول؛ لأن ذكر الجلالة دال على العظمة، فناسب فيه التعيظم والمبالغة.
وقال شيخنا: لعل مراد الحديث أنه يرحم، كثير الرحمة رحمة تامة، بحيث تمنع من قامت به من العذاب، فلا يرد أن يرحم الكافر بتخفيف العذاب عنه، وبتأخيره في سعة عيش وصحة، وغيرهما إلى وقت قبض روحه، وقد يخفف عنه عذاب غير الكفر.
"والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم فلأجل ما كان بموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود، فرجًا"حصول ما يتمناه من الثواب لأمته، فقال:"لعل أن يكون"، والرجاء يستعمل بمعنى التمني والخوف؛ لأن الراجي يخاف أن لا يدرك ما يترجاه،"وقت القبول والإفضال"، أي: الزيادة من النعم والخير على العباد، فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة"؛ لأن لله أوقاتًا يتجلى فيها بالرحمة على العباد، فلا يرد فيها سائلًا ولا يمنع راجيًا"