(فصل)
ثم إن قوله في الحديث:"استفتح"دلالة على أنه صادف أبواب السماء مغلقة، والحكمة في ذلك - والله أعلم- التنويه بقدره عليه السلام، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة لم يتحرر أنها فتحت لأجله، فلما فتحت له تحقق غليه السلام أن المحل مصون، وأن فتح له كرامة وتبجيل.
وأما قوله في الحديث:"أرسل إليه"؟ وفي رواية وقد"بعث إليه"؟ فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله:"إليه"؛ لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى.
وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن من الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه.
قيل: إن الله تعالى أراد أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ثم إن قوله في الحديث: استفتح، دلالة"صريحة"على أنه صادف أبواب السماء مغلقة"، وأصرح منه قوله في حديث أبي ذر: قال جبريل لخازن السماء: افتح، وكذا ضربه الباب.
"والحكمة"، كما قال ابن المنير"في ذلك، والله أعلم، التنويه بقدره"، أي: إظهاره ورفعه"عليه السلام، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة لم يتحرر"، أي: لم يعلم"أنها فتحت لأجله"، ولا بد، بل كان يحتمل أنها مفتوحة دائمًا، وأنها فتحت لغيره، تصادف مجيئه بعده،"فلما فتحت له تحقق عليه السلام أن المحل مصون، وأن فتحه له كرامة وتبجيل": تعظيم وقال ابن دحية: وإنما لم تهيأ له بالفتح قبل مجيئه، وإن كان أبلغ في الإكرام؛ لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك، ففعل ذلك ليعلم أن ذلك فعل من أجله؛ ولأن الله تعالى أراد أن يطلعه على كونه معروفًا عند أهل السماوات.
"وأما قوله في الحديث: أرسل إليه"، بهمزة واحدة، ولأبي ذر: أأرسل بهمزتين، الأولى للاستفهام، والثانية للتعدية، وهي مضمومة، وللكشميهني أوأرسل، بواو مفتوحة بين الهمزتين.
"وفي رواية"لشريك عن أنس:"وقد بعث إليه، فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعرود إلى السماء"والإسراء،"وهو الأظهر لقوله: إليه"، إذ لو كان المراد أصل البعثة، لم يحتج لقوله إليه؛"لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى"، فلا يخفى عليهم إلى هذه المدة.
قال الحافظ: بعدها استظهر هذا تبعًا لابن المنير وغيره: ويحتمل أن يكون خفي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، قال: ويؤيده رواية شريك: وقد بعث إليه. انتهى، وقد يقال: لا تأييد فيه؛ لأن المراد البعث الخاص للإسراء وصعود السماوات، لا عن أصل البعثة.
"وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى"، إذ لا قدرة له على ذلك حتى يأذن،"وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه"، فليس سؤالًا حقيقيًا.
"وقيل: إن الله تعالى أراد اطلاع نبيه على انه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: وقد بعث إليه"، بحذف همزة الاستفهام، للعلم بها،"أو أرسل إليه"، بحذفها وإثباتها روايتان كما علم،"فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له"- صلى الله عليه وسلم-"وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا، ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع": المبالغة في إظهار قدره وشرفه بين الملائكة، بناء"على المعروف من عادة العرب"، فيمن خاطبوه بذلك، وهذا ذكره ابن أبي جمرة.
وذكر ابن المنير: أن موقع قول الخازن، وقد بعث إليه استنطاق جبريل بالسبب الموجب للإذن، والفتح؛ لأن مجرد قوله: معي محمد، لا يوجب الإذن إلا بواسطة البعث من الله تعالى، ويلزم منه الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء، فلم يتوقف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح؛ لأنه لزم عنده من البعث الإذن.