وأما قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إذ لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74] الآية.
فالمعنى: لولا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى إتباع مرادهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلًا عن أن تركن، وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، فالعصمة بتوفيق الله وحفظه، ولو قاربت لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ الخطير أخطر، وقد أعاذه الله تعالى من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه. ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك قوله:
أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لسان جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
وفسر الأول وهو النفي المثبت بنحو {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] وقد فعلوا والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} قالوا: وهو صلى الله عليه وسلم ثبت قلبه ولم يركن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وأما قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} على الحق بالعصمة، {لَقَدْ كِدْتَ} قاربت {تَرْكَنُ} تميل {إِلَيْهِمْ شَيْئًا} ركونًا {قَلِيلًا} لشدة احتيالهم وإلحاحهم وهوص ريح في أنه صلى الله عليه وسلم ما ركن ولا قارب، {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ} عذاب {الْحَيَاةِ وَضِعْفَ} عذاب {الْمَمَاتِ} أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدينا والآخرة"الآية"ثم لا تجد لك علينًا نصيرًا مانعًا منه."
أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: خرج أمية بن خلف، وأبو جهل، ورجال من قريش، فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد تعال، فتمسح بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرق لهم، فأنزل الله {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الأعراف: 73] الآية، إلى قوله: {نَصِيرًا} .
قال السيوطي: هذا أصح ما ورد في سبب نزولها، وهو إسناد جيد وله شاهد.
أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: كان صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا، فقال صلى الله عليهوسلم: وما علي لو فعلت، والله يعلم مني خلافه، فنزلت"فالمعنى، لولا أن ثبتناك لقاربت": تفسير لكدت"أن تميل إلى اتباع مرادهم"تفسير لتركن من الركون الذي هو أدنى ميل، على ما قال المفتي، وعليه فقوله: شيئًا قليلًا، كالصفة الكاشفة لمعنى تركن،"لكن أدركتك عصمتنا، فمنعت أن تقرب فضلًا عن أن تركن"وببيان المعنى حصل الجواب عن الىي، وإنها من الآيات المادحة للمصطفى، لا أنها من المتشابهات،"وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ما هم بإجاباتهم"، أي: قريش لما طلبوه منه، من التمسح بآلهتهم والإلمام بها على الأصح في سبب نزولها، وبه استدل من قال هذه الآيات مكية، ومن قال: إنها مدنية، استدل بما رواه ابن مردويه عن ابن عباس، أن ثقيفًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضنا ما يهدى لها أحرزناه، ثم أسلمنا، فهم أن يؤجلهم فنزلت وإسناده ضعيف.
وذكر الثعلبي بلا إسناد عن ابن عباس، أنها نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالًا نفختر بها على العرب، لا نعشر، ولا نحضر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وإن تمتعنا باللات سنة، وتحرم وادينا كمكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك، فقل: إن الله أمرني.
قال الولي العراقي: لم أقف له على إسناد"مع قوة الداعي إليها"لشدة احتيالهم وقوة خدعهم، وكونه في مقام التلطلف بهم والحرص على إيمانهم"فالعصمة بتوفيق الله وحفظه"عن مقاربة ذلك،"ولو قاربت لأذقناك ضعف"عذاب"الحياة وضعف"عذاب"الممات"تفسير لقوله: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ} "أي: ضعف ما يعذب في الدارين"الدنيا والآخرة"بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ"أي: ذنب"الخطير"الشريف"أخطر"أعظم من غيره، لأنه لشرفه حقه أن لا يقرب مما يلام عليه، بل يصون نفسه عن الفهوات وإن صغرت،"وقد أعاذه الله تعالى"أي: عصمه"من الركون إلى أعدائه"أي: أعدء الله"بذره من قلبة"أي: بشيء قليل صغير جدًا كالذرةى فضلًا عما فوقها.
"ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك"أي: إن كاد نا، بمعنى قرب"قوله": ملغزًا:
انحوى هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود""
جرهم: بضم الجيم، حي من اليمن، وثمود قوم صالح، وخصهما زيادة في التعمية:
"إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت"
وإن أثبتت قامت مقام جحود""
"وفسر الأول، وهو النفي المثبت، بنحو {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] لغلاء ثمن البقرة،"وقد فعلوا"بنص، فذبحوها."
"الثاني: وهو الثبوت المنفي، بنحو قوله تعالى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} ، قال: أي: العلماء كلهم،"وهو صلى الله عليه وسلم ثبت قلبه ولم يركن"بنص قوله: {ثَبَّتْنَاكَ} وأيده بذلك وإن كان ضعيفًا لاشتهاره، كما في شرح الكافية والمغني، وقالا: إن من زعممهم لم يصب، بل حكم كاد حكم سائر الأفعال، فمعناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل: كان زيد يبكي، معناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء، ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكي، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة."