وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] .
وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} وقال: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون متابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ودل على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ألبتة ولا يهديه الله، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] ، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم أو رجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة احد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصًا من كتاب"المدارج"، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة والسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، أي: يثبكم" {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} " [آل عمران: 31] ،"وهذه الآية الشريفة تسمى آية المحبة"."
بدليل أنه"قال بعض السلف"، زعم أنه الحسن البصري، لقوله: قال أقوام على عهد نبينا: والله يا محمد إنا لنحب ربنا، فأنزل الله الآية.
رواه ابن المنذر، وليس فيه، فأنزل آية المحبة، فلا يصح أنه المراد"ادعى قوم محبة الله"قيل: هم وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حبًا لله.
رواه ابن إسحاق، وابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: هم اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: قريش لما قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله لفى، وبه جزم الجلال.
وروى ابن جرير، وابن المنذر عن الحسن مرسلًا؛ أنهم أقوام زعموا على عهد نبينا حب الله، فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقًا من العمل،"فأنزل الله آية المحبة: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} ، وقال: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، بالجزم في جواب الطلب، والراجح فيه أنه في جواب شرط مقدر تقديره هنا:"إن اتبعتموني يحببكم الله"،"إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها أو فائدتها"، أي: باتباع الرسول، فإن اتباعه علامة على حبه لله تعالى، وثمرة محب الله للعبد مغفرته له، كما أفاده قوله:"فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل""بكسر السين"أي: الله تعالى نبيه ليبلغ الخلق"لكم"متعلق بمحبة،"فما"مصدرية ظرفية"لم تحصل المتابعة"أي: مدة انتفاء حصولها،"فلا محبة لكم حاصلة"منكم لله،"ومحبته لكم منتفية"، أي: لايحبكم بمعنى: لا يثيبكم،"فجعل سبحانه اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه"، وهو اتباع الرسول،"فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة"؛ لأنها مشروطة بمتابعة رسوله،"فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله, وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم"لاستحالة وجود المشروط بدون شرطه"ودل"جعله اتباع الرسول مشروطًا بمحبتهم"على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره"أي: علامة عليه، أو جعلها نفس المحبة مبالغة،"ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"، كما في الحديث:"فلا يكون شيء أحب إليه من الله ورسوله"."
قال الطيبي: فسر المتكلمون محبة العبد لله؛ بأنها محبة طاعته أو ثوابه وإحسانه، وأما العارفون، فقالوا: العبد يحب الله لذاته، وأما حب طاعته وثوابه فدرجة نازلة، والقول الأول ضعيف، وذلك لا يمكن أن يقال في كل شيء، أنه إنما محبوبًا لأجل معنى آخر، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبًا لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها، كذلك يعلم أن الكمال محبوب لذاته، وأكمل الكمالات لله تعالى، فيقتضي كونه محبوبًا لذاته من ذاته.
قال صاحب الفرائد: وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا حب العبد لله حقيقة، بل المحبة الحقيقية مستحقة لله، إذ كل ما يحب من المخلوقات، فإنما يحب لخصوص أثر من آثار وجوده، وفي الأحياء الحب ميل الطبع إلى الشيء المستلذ، فإن قوي سمى عشقًا، ولا يظن قصره على مدركات الحواس الخمس، حتى يقال: إن الله تعالى لا يدرك بها ولا يتمثل في الخيال، فلا يحب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سمي الصلاة قرة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ، والبصيرة الباطجنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكًا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فيكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية، التي تجل عن أن تدركها لحواس أتم وأبلغ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلا ما في إدراكه لذة، فلا ينكر إذن حب الله إلا من قعد به القصور في درجة البهائم. انتهى.
وأما محبة الله للمتبعين، فهي رضاه عنهم، وإثباتهم، وكشف الحجب عن قلوبهم، والتجاوز عما فرط منهم، كما أشار إليه بقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم} الآية، وعبر عن ذلك بالمحبة استعارة أو مشاكلة لاستحالة المعنى الحقيقي عليه،"ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما، فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ألبتة، ولا يهديه الله"واستدل على هذا، بقوله:
"قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} أقرباؤكم، وفي قراءة وعشيراتكم،" {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} "عدم نفاقها،" {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} "، فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد،" {فَتَرَبَّصُوا} ": انتظروا" {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} "تهديد لهم،" {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} " [التوبة: 24] ."
"فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء"غلب العقلاء على غيرهم، وسمي من اقترن بالعاقل باسمه تجوز الان أحدًا إنما يستعمل في العاقل"على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم، أو رجاءه والتوكل": الاعتماد"عليه على خوف الله ورجائه، والتوكل عليه، أو معاملة أحد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه"أنهما أحب،"فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه"عطف تفسير، وفيه إشارة إلى أن محبة غيرهما، المنهي عنها هي المحبة الاختيارية دون الطبيعية، فإنها لا تدخل تحت التكليف."انتهى ملخصًا من كتاب المدارج"أي: مدارج السالكين لابن القيم إلى منازل السائرين لشيخ الإسلام الأنصاري الهروي،"وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة والسلام".
فذكر الحديث وتكلم عليه مبسوطًا هناك.