فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 847

(فصل)

وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟

وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي - صلى الله عليه وسلم- ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] .

واعتراض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن.

والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها - وهو في السماء- أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها.

وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن شماله حزن، وهذا - لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين": مكان يعذبون فيه أسفل السافلين، كما في ابن المنير وفي المصنف: في سجين الأرض السابعة، وفي القاموس: سجين موضع فيه كتاب الفجار، وواد في جهنم.

"وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة"، روى الطبراني والبيهقي بسند حسن عن أم مبشر، وكعب بن مالك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجين"، وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن أرواح المؤمنين، فقال:"في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت"، قالوا: وأرواح الكفار، قال:"محبوسة في سجين"، رواه الطبراني"يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا"مع أرواح الكفار في سجين الأرض السابعة.

"وأجاب"عياض:"بأنه يحتمل أنها تعرض على آجم أوقاتًا، فوافق": صادف"عرضها مرور النبي - صلى الله عليه وسلم-، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله"تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} [غافر: 46] صباحًا ومساء،"واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص اقرآن"في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} "والجواب عنه ما أبداه هو، احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله، كان يكشف له عنهما"، وحين مر المصطفى على آدم كشف له عن ذلك، فرأى ما رآه آدم، وإلى هنا جواب عياض، كما في الفتح.

زاد المصنف:"ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء؛ أن تفتح لها أوبا السماء ولا تلجها"، فلا اعتراض على عياض، وإن كان الحافظ في الفتح، إنما ذكر هذا عقب احتمال؛ أن المراد من خرجت من أجسادها حين خروجها، لا أنها مستقرة ولا يلزم إلى آخر ما هنا، ويأتي كلامه.

"وفي حديث أبي هريرة عند البزار"،وأبي يعلى، وابن جرير والبيهقي:"فإذا عن يمينه"، أي: آدم،"باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن، وهذا لو صح لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم"، لعدم احتياجه لتأويل؛ لأن المستفاد منه رؤية البابين حين مروره على آدم، وهو لا يستلزم أن عنده شيئًا من النسم التي رآها عند آدم، لجواز أنه رآها من الأبواب،"ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر"في كتاب الصلاة ببعض تصرف من المصنف.

وفيه أيضًا قبل ذكر هذا الحديث الضعيف، ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها، فليست مرادة أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: نسم بنيه عام مخصوص، أو أريد به الخصوص انتهى، وهو مبني على أن الأرواح كلها خلقت قبل الأجساد، كما جزم به، ثم إذا أراد الله إحياء شخص أرسل الروح التي سبق في علمه أنها معدة لذلك الجسد.

وقال في الفتح هنا في باب المعراج: وظهر لي الآن احتمال آخر، وهو أن يكون المراد من خرجت من الأجساد حين خروجها إلا أنها مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء أن تفتح لها أبواب السماء، ول تلجها.

وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي ما يؤيده ولفظه:"فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليها أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة، اجعلوها في سجين"، ويظهر منه ومن حديث أبي هريرة عدم اللزوم المذكور، وهذا أولى مما جمع به القرطبي في المفهم؛ أن ذلك حالة مخصوصة. ا. هـ، وهو مخصص للأرواح بالخارجة من الأجساد حين الموت لا مطلقًا، فهو أيضًا عام مخصوص، أو أريد به الخصوص، وأجاب بعضهم عن الإشكال بحمل الأسودة التي عن شماله على العصاة من الموحدين، لا على الجاحدين، وعضده ببكاء آدم رحمة لهم، ولا يرحم الكفار.

وتعقبه ابن المنير، بأن المؤمنين، برهم وفاجرهم، مطيعهم وعاصيهم من أهل اليمين، وقد فسر الله أصحاب الشمال بالكفار، فقال: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} [الواقعة: 41] ، وهذا إنما هو لكافر لا حظ له في الإيمان، ولا حجة في بكاء آدم؛ لأنه ليس فيه استغفار لهم، ولا خلاف أن من مات أبوه كافرًا، وهو مسلم، لا يحمر عليه البكاء عليه، لا سيما الطبيعي والرقة الطبيعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت