وأما قوله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ، فذكروا في سبب نزولها أقوالًا:
أحدها: أنا أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل بعثت رحمة للعالمين"، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًا عليهم، وتعريفًا له صلى الله عليه وسلم، بأن دين الإسلام والقرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل: أبق على نفسك، فإن لها عليك حقًا. اي ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة.
وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام. وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل.
وتعقب: بأنه بعيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إن فعل شيئًا من ذلك فلا بد أن يكون فعله بأمر الله تعالى، فإذا فعله عن أمره فهو من باب السعادة لا من باب الشقاء.
وثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق نفسك، ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به من آمن، فمن آمن وأصلح فلنفسه، ومن كفر فلا يحزنك كفره، فما عليك إلا البلاغ وهذا كقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} .
ورابعها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان صلى الله عليه وسلم مقهورًا مع أعدائه"الكفار""فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة"بل يعلو أمرك ويظهر قدرك، فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا، بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده الله تعالى تعظيمًا وتكريمًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وأما قوله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ لْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ، فذكروا في سبب نزولها أقوالًا"منها ما تقدم.
وأخرج البزوار عن علي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يراوح بين قدميه، يقوم على كل رجل، حتى نزلت: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} .
"أحدها"ما عند ابن مردويه، بمعناه عن ابن عباس؛"أن أبا جهل"فرعون الأمة،"والوليد بن المغيرة، ومطعم بن عدي، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك"ومرادهم ضد السعادة، "فقال صلى الله عليه وسلم:"بل بعثت رحمة للعالمين"فكيف أشقى أنا، "فأنزل الله تعالى هذه، ردًا عليهم وتعريفًا له صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام والقرآن هو"أي: المذكور"السلم"."
فلا يرد أن القياس هما السلم"إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها"وأي. شقاوة مثل الخلود في جهنم.
"وثانيها: أنه"كما رواه ابن مردويه عن علي، بمعناه أنه"صلى الله عليه وسلم"لما نزل عليه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} "صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل": بأمر الله"ابق على نفسك، فإن لها عليك حقًا. أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك"تتعب وتؤلم"نفسك بالعبادة"الزائدة،"وتذيقها المشقة العظيمة"، بالسهر وقيام الليل،"وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة"السهلة التي لا تعب فيها،"وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام"مبالغة في امتثال الأمر.
"وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل"في ابتداء أمره، حتى أمر بالتخفيف،"وتعقب بأنه بعيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إن فعل شيئًا من ذلك، فلا بد أن يكون فعله بأمر الله تعالى"وهذا ممنوع؛ لأنه فعل ذلك لتحقق مدلول ما أمر به من قيام الليل على الوجه الأتم، لا للأمر به بخصوصه، ويمنع تعقبه أيضًا بقوله؛"فإذا فعله عن أمره، هو من باب السعادة لا من باب الشفاء"بل هو التباس، إذ الرد على أنه من باب الشقاء، بمعنى إتعاب النفس على هذا، لا ينافي أن الإتعاب المذكور للسعادة، وإنما يقال من باب السعادة لا الشقاء على الوجه الذي قبله في الرد على أبي جهل ومن معه، هكذا أملاني شيخنا.
"وثالثها: قال بعضهم"ظاهره أنه سبب لنزول الآية، لقوله أولًا: ذكروا في سبب نزلوها أقوالًا ولا كذلك، فإنما هذا فهم في الشقاء، إذ السبب لا يكون احتمالًا، بل نقل مجرد، وقد
قال:"يحتمل أن يكون المراد لا تشق نفسك ولا تعذبها بالأسف"الحزن والحسرة"على كفر هؤلاء"فهو كقوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات،"فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر": تعظ"به من آمن فمن آمن وأصلح"عمل الصالحات من الفرائض وغيرها،"فلنفسه"؛ لأن ثمرته عائدة عليه، وإن كان للنبي أجره أيضًا،"ومن كفر فلا يحزنك كفره"، لا تهتم لكفره،"فما عليك إلا البلاغ"، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء،"وهذا كقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِع} قاتل {نَفْسَكَ} ولعل الإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها {أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا، وكقوله:"ولا يحزنك كفرهم"."
"ورابعها"وهو من نمط الثالث لا سبب النزول، كما يوهمه المصنف،"أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان صلى الله عليه وسلم مقهورًا مع أعدائه"الكفار،"فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة"التي هي قهر الأعداء،"بل يعلو أمرك ويظهر قدرك، فإننا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا"متعبًا مقهورًا، والشقاء شائع بمعنى التعب، ومنه أشقى من رائض المهر، أي: أن معالجة المهارة شقاوة لما فيها من التعب،"بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده الله تعالى تعظيمًا وتكريمًا"كما إلى هذه الإشارة بقوله: {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 3] ، أي: لكن تذكيرًا لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالأنوار، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، فإنه المنتفع به، ومن خشي صار المصطفى لديه معظمًا مكرمًا كما وقع ذلك للصحابة حتى كانوا عنده، كأنما على رؤوسهم الطير، ولا يحدون النظر إليه، وكان أحب إليهم من أنفسهم.
قال البيضاوي: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ، خبر طه إن جعلت مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، والقرآن فيه واقع موقع العائد، وجواب إن جعلت مقسمًا به، ومنادى له إن جعلت نداء واستئناف إن كانت جملة فعلية او اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية.
قال تبعًا للكشاف: وانتصاب إلا تذكرة على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلًا من محل لتشقى لاختلاف الجنسين، يعني أن نصب تذكرة نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي في لتشقى بعد نزع الخافض عارضة كما قال أبو حيان، ولا يجوز أن يكون مفعولًا له لأنزلنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الكاف، أو القرآن، أو مفعول له، على أن لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة للقرآن، أي: ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه.