(فصل: فيما خص الله تعالى به محمدا - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات)
اعلم, نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا وآدم بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته.
ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه صلى الله عليه وسلم الممد لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين البوصيري فلقد أحسن حيث قال:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم
قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد صلى الله عليه وسلم وما أحسن قوله:"فإنما اتصلت من نوره بهم"فإنه يعطي أن نوره صلى الله عليه وسلم لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء, وإنما كانت آيات كل واحد من نوره صلى الله عليه وسلم لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن - أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصلاة والسلام كانوا يظهرون فضله.
فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اعلم، نور الله قلبي وقلبك"جملة دعائية: صدر بها تنبيهًا على شرف ما هو شارع فيه،"وقدس"طهر"سري وسرك"، أي: طهر أفعالنا عما ينقصها، وهو عطف مباين،"إن الله قد خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأشياء لم يعطها لنبي قبله"، أي: ولا رسول، ولا ملك،"وما خص نبي بشيء"، أي: ما أعطي نبي شيئًا لم يعطه أحد من أمته، أو من الأنبياء السابقين عليه،"إلا وقد كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله"فلا يقال متى أعطي مثله لا يكون خصوصية، فجمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كل بنوع؛"فإنه أوتي جوامع الكلم"كما قال ويأتي معناه،"وكان نبيًا وآدم بين الروح والجسد"كما مر، مشروحًا أوائل الكتاب،"وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا"، أي: موصوفًا بالنبوة"إلا في حال نبوته"، أي: بعد بعثته،"وزمان رسالته"بخلاف نبينا، فقد أفرغت عليه النبوة قبل خلق آدم،"ولما أعطي هذه المنزلة"التي لم يبلغها غيره،"علمنا أنه صلى الله عليه وسلم الممد"اسم فاعل من أمد،
بمعنى زاد"لكل إنسان كامل مبعوث"يعني أنه صلى الله عليه وسلم أفاض على جميع من تقدمه من الأنبياء والرسل أحوالا كثيرة، زيادة على ما عندهم من الفضائل،"ويرحم الله الأديب شرف الدين البوصيري، فلقد أحسن، حيث قال"في الميمية المشهورة:"وكل آي"جمع آية"أتى الرسل الكرام بها"دالة على نبوتهم،"فإنما اتصلت من نوره"الكائن قبل ظهوره إلى الوجود الخارجي"بهم، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرن أنوارها للناس في الظلم".
"قال العلامة"محمد بن محمد"بن مرزوق"في شرحها:"يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل، فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد صلى الله عليه وسلم"الذي أوجده الله قبل وجوده في هذا العالم،"وما أحسن قوله:"فإنما اتصلت من نوره بهم، فإنه يعطي أن نوره صلى الله عليه وسلم لم يزل قائما به، ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم، وقد لا يبقى له منه شيء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن، أي: تلك الكواكب أنوار تلك الشمس للناس في الظلم، فالكواكب ليست مضيئة بالذات، وإنما هي مستمدة من الشمس، فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس"ومستند هذا الحدس والتخمين، كما هو معلوم في محل،"فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصلاة والسلام كانوا يظهرون فضله"بالصفات التي اشتملوا عليها، وأوصلوها إلى أممهم، فإنها وصلت إليهم من نوره عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك إخبارهم عنه بما اشتملت عليه كتبهم من كمالاته وفضائله،"فجميع ما ظهر على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار، فإنما هو من نوره الفائض الكثير الذي عم المشارق والمغارب،"ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء"فيكون ذلك كنور السراج إذا أوقد من نحو شمعة فنورها لم ينقص منه شيء، ونور السراج نشأ عن نورها مع بقاء نورها بمحله، لكن قد يشكل ما قدمه المصنف أول الكتاب، أن نوره صلى الله عليه وسلم قسم أجزاء، وأنه قسم الجزء الرابع إلى كذا وكذا، إلا أن يكون المراد بقوله: قسم زاد فيه، لا أنه قسم نفس النور الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الظاهر أنه حيث صور نوره بصورة روحانية مماثلة لصورته التي يصير عليها بعد لا يقسمه إليه وإلى غيره.