وأول ما ظهر ذلك في آدم عليه السلام، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد صلى الله عليه وسلم فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] ، ثم توالت الخلائف في الأرض إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا صلى الله عليه وسلم الشريف لأظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي صلى الله عليه وسلم مثلها.
فآدم عليه الصلاة والسلام أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الخلق النبوي، مع أن المقصود - كما مر- من خلق آدم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وأول ما ظهر ذلك في آدم عليه السلام، حيث جعله الله تعالى خليفة"عنه في تنفيذ أوامره ونواهيه في الأرض، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوب، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمر بلا واسطة،"وأمده بالأسماء"، أي: أسماء المسميات"كلها"حتى القصعة والمغرفة؛ بأن ألقى علمها فيقلبه"من مقام جوامع الكلم التي لمحمد صلى الله عليه وسلم، فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} بالمعاصي {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يريقها بالقتل، كما فعل بنو الجان وكانوا فيها، فلما أفسدوا، أرسل الله إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال،"ثم توالت الخلائف في الأرض"أي: تتابعت الرسل بعد آدم وجعل الكلا خلائف، لأن استخلفهم كلهم في عمارة الأرض، والمشهور أن خليفة الله إنما يطلق على آدم وداود لنص القرآن: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} الآية، فأما غيرهما فلا, فقد قال رجل لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك، وقال رجل لعمر: يا خليفة الله! فقال: ويلك، وزجره، وقيل: يجوز إطلاق ذلك على غيرهما أيضًا لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ} الآية، ولأن الله جعل كلا خليفة، كما جعله سلطانًا، فقد سمع سلطان الله، وجنود الله، وحزب الله، لكن قال الماوردي: امتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وفي المصباح:"
والخليفة بمعنى السلطان الأعظم، يجوز أن يكون فاعلا، لأنه خلف من قبله، أي: جاء بعده، ويجوز أن يكون مفعولا، لأن الله جعله خليفة، أو لأنه جاء بعد غيره"إلى أن وصل"حال الخلائف، وهو ما جاءوا به من الأحكام والشرائع،"إلى زمان وجود صورة: جسم نبينا صلى الله عليه وسلم الشريف"صفة لجسم أو نبينا،"لإظهار حكم منزلته"أي: مقدارها وشرفها عند الله،"فلما برز"ظهر"اندرج في نوره كل نور"لغلبته عليه،"وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء"علم"رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي صلى الله عليه وسلم مثلها"فجمع فيه ما فرق فيهم، وهذه خصوصية مع زيادته عليهم، ولما ذكر أن الله جمع له عليه السلام خصائص الأنبياء وزاده عليهم فضل بعض ذلك، وهو في غالبه تابع، لأن المنير في معراجه، فقال:"فآدم عليه الصلاة والسلام أعطي أن الله خلقه بيده"من أديم الأرض، أي: وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة وسواه، ونفخ فيه الروح، فصار حيوانًا حساسًا بعد أن كان جمادًا،"فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه"أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على الله خلاف والأصح الجواز،"وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي، ومن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الخلق النبوي."
زاد ابن المنير: وهو بالحقيقة متولي كل خلق، لكن المراد تخصيص التشريف وهو أعلى،"مع أن المقصود، كما مر"من قوله تعالى لآدم:"لولاه ما خلقتك"،"من خلق آدم خلق نبينا في صلبه فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة"فلا شك في أنه أجل.