وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان في جبهته، ولله در القائل:
تجليت جل الله في وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسل
وعن أبي عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] ، أجمع من تشريف آدم عليه الصلاة والسلام بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى.
قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها"فكما أن آدم عليه الصلاة والسلام علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه - واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در البوصيري حيث قال:
لك ذات العلوم من عالم الغيـ ... ـب ومنها لآدم الأسماء
ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وأما سجود الملائكة لآدم فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم، لأجل نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان في جبهته"ظاهرًا،"ولله در القائل: تجليت جل الله"جملة معترضة"في وجه، آدم، فصلى"سجد"له الأملاك حين توصل"وقال ابن المنير: نظيره إنجاد الملائكة للمصطفى، فإنه أنزلهم له جندًا وأعوانًا تحت لوائه، وأنصارًا في طاعته، والأسجاد والأنجاد متقاربان، وورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالملائكة، بل ورد أن الملائكة تصلي بصلاة آحاد أمته، ائتمامًا بهم، وسجودًا خلفهم، وهذا غاية الكرامة في هذا المعنى.
"وعن أبي عثمان الوعظ فيما حكاه الفاكهاني، قال"أبو عثمان"سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية، أتم وأجمع من تشريف آدم عليه الصلاة والسلام، بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف"لاستحالته في حقه سبحانه، إذ السجود من صفات الأجسام،"فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ مع تشريف تختص به الملائكة"وهو السجود،"انتهى".
"قال بعضهم"وهو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني:"وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع"والحاكم، والديلمي أيضًا من حديث أم حبيبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثلت لي أمتي"وفي رواية: الدنيا بدل أمتي،"في الماء والطين وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها".
وروى الطبراني والضياء المقدسي، عن حذيفة بن أسيد بن خالد الغفاري، قال: قال صلى الله عليه وسلم:"عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة"بالضم أي: عندها،"أولها وآخرها"، فقيل: يا رسول الله عرض عليك من خلق، فكيف من لم يخلق؟ فقال:"صوروا لي في الطين، حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه"،"فكما أن آدم عليه الصلاة والسلام علم أسماء العلوم كلها، كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه: واصل الله صلاته وسلامه عليه بعلم ذواتها"متعلق بزاد،"ولله در البوصيري حيث قال"في الهمزية:"لك"لا لغيرك"ذات"نفس وحقيقة"العلوم"جمع علم، وهو هنا صفة ينجلي بها المذكور لمن قامت به انجلاء تامًا، والإدراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض"من"فيض"عالم الغيب"الغائب، وهو ما لم يشاهد بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليه تعالى، فالكل من عالم الشهادة،"ومنها"أي: العلوم بمعنى المعلومات"لآدم"أبي البشر"الأسماء"مبتدأ مؤخر خبره منها، جمع اسم، وهو هنا ما دل على معنى فيشمل الفعل والحروف أيضًا،"لا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم والأسماء مقصودة لغيرها"وهي المسميات،"فهي دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه"فهو أفضل من آدم.